• الرئيسيّة

  • ‏إظهار الرسائل ذات التسميات المقالات. إظهار كافة الرسائل
    ‏إظهار الرسائل ذات التسميات المقالات. إظهار كافة الرسائل

    الأربعاء، 19 ماي 2021

    هنود فلسطين / جيل دولوز - ترجمة محمد فطومي

     

     

        الفيلسوف جيل دولوز Gilles Deleuze والقضيّة الفلسطينيّة.

    كُتب النصّ سنة 1983، تحت عنوان (هنود فلسطين)

    الترجمة من الفرنسيّة : محمد فطومي / عسى أن يصل إلى أكبر عدد ممكن من العقول العربيّة حتّى ترى بعين الفكر الوجه الحقيقي للقضيّة.

     

    «ستفرِضُ الصّهيونيّة، ثمَّ دولة إسرائيل على الفلسطينيّن الاعتراف بهما كما لو كان ذلك حقّا. إلاّ أنّ إسرائيل من جهتها ما انفكّت تنكر أنّ الشعب الفلسطينيّ أمر واقع. لن يجري الحديث أبدا عن فلسطينيّين لكن عن عرب فلسطين كما لو كانوا قد وُجِدوا هناك صدفة أو على سبيل الخطإ. ولاحقا سيتمّ التعامل مع الأحداث كما لو كان الفلسطينيّون المُهَجَّرون قد جاؤوا من الخارج، وسيُبقُون طيَّ الكتمان حرب التّحرير الأولى التي خاضها الفلسطينيّون بمُفردهم بل أكثر من ذلك سيُنعَتون بأنّهم مُنحَدرون من هتلر، بما أنّهم لا يعترفون بحقّ إسرائيل في النّشوء. في المُقابل تكفل إسرائيلُ لنفسها الحقّ في إنكار وجودهم. من هنا تبدأ رواية مُتخَيَّلَة ستمتدّ جذورها أبعد فأبعد، وستُثقل كاهل المُدافعين على القضيّة الفلسطينيّة. تقضي هذه المزاعم، وهذا الرّهان الإسرائيلي، بإلصاق صفة المُعادي للساميّة بكلّ المُندّدين بالظّروف على أرض الواقع وبممارسات الدّولة الصهيونيّة. تنبع هذه العمليّة من البرود السياسي لإسرائيل إزاء الفلسطينيّن.

    لم تُخفِ إسرائيلُ غايتها يوما: إخلاء الأرض الفلسطينيّة بالكامل، الإفراغ الشامل. أو أدهى من ذلك، التعاطي معها كما لو كانت خالية منذ البداية، ومُمَهَّدة منذ عصور للصهاينة. إنّه احتلال لا شكّ فيه، لكن ليس على الطّريقة الأوروبية خلال القرن التاسع عشر: لن يتمَّ استغلال سكّان البلد، بل سيُرَحَّلون من ديارهم. أمّا الذين سيمكثون فلن يُعوَّل عليهم كيَدٍ عاملة مُرتبطة بالأرض، بل كَيَدٍ عاملة مُنفصلة وعرضيّة، كما لو كانوا لاجئين في مُخيّمات من خلال حملة شراء للأراضي منذ البداية شرط إفراغها تماما من ساكنيها أو على الأقلّ قابلة للإخلاء دون مشاكل. إنّها جريمة، حيثُ الإبادة الجسديّة تبدو في صورة تطهير جغرافي: وبما أنّ الفلسطينيّين هم عرب في نهاية الأمر فسينصهرون في شعوب عربيّة أخرى. أمّا الإبادة الجسديّة، مُعلَنَة كانت أم لا، موكَلَة إلى المرتزقة أم لا فإنّها تظلّ حقيقة صارخة. لكنّها ليست جريمة " يهتف بعضهم"، بما أنّها ليست الهدف النهائي: فعلا، إنّها وسيلة ضمن عدة وسائل أخرى.

      إنّ تواطُؤ الولايات المُتّحدة مع إسرائيل لا يستقي وجوده فقط من قوّة اللوبي الصّهيوني. لقد برهن إلياس سانبار باقتدار كيف أنّ الولايات المُتّحدة تجد في إسرائيل انعكاسا لتاريخها: إبادة الهنود التي تمّت جسديّا في جزء منها فقط، لأنّ الحرص الأكبر كان على صنع الفراغ، كأنّ الهنود لم يوجدوا يوما ما عدا في المُخيّمات التي راحت تستقبل وفود المُهَجّرين من الدّاخل. يتقاطع الفلسطينيّون معهم في نقاط عديدة، إنّهم الهنود الجدد، هنود إسرائيل. يُشير المُحلّل الماركسي إلى حركَتيْن مُكمّلتَيْن للرّأسماليّة: السعي الدّؤوب للحصول على حدود، أين سيكون على الغزاة تركيز نظامهم واستغلاله؛ الدّفع بالحدود أبعد دائما، ومن ثمَّ تجاوزها قصد استئنا
    ف نشر نظام أمتن وأوسع مُعزّزا دعائمه أعمق فأعمق. كان توسيع الحدود دائما الفعل الأساسي للرأسماليّة الأمريكيّة، للحلم الأمريكي، الذي اقتبسته إسرائيل من أجل حلمها بإسرائيل الكبرى فوق الأراضي العربيّة، على ظهر العرب.»

    من كتاب (نظامَيْ مجانين)  الصادر سنة 1983 عن دار منشورات  Minuit.

     

     

     

     

    الأحد، 2 ماي 2021

    روابط مهمّة لمواقع تقدّم دورات تكوينية وخدمات تعليميّة وتثقيفيّة متنوعة

     

    عوض تضييع وقتك على الفيسبوك ؛ تفقد المواقع التالية:
    أهم 25 مواقع على الأنترنت حالياََ
    1 – CodeAcademy
    من أفضل مواقع تعليم لغات البرمجة (HTML , CSS) و الـJavascript
    2 – Coursera
    فيها أكتر من 800 دورة مجانية في العديد من المجالات
    3 – Digital Photography School
    أفضل موقع لتحسين مهارات التصوير الفوتوغرافي الخاص بيك وفيها منتدى نشط دائما للتفاعل مع المصورين اصحاب الصور المعروضة للملاحظات والتعلم
    4 – Duolingo
    لتعلم اللغات وتحسين مهاراتك اللغويةبالإضافة إلى هذا الموقع :
    5 – edX
    موقع شامل لشرح المواضيع العلمية وعرض المعلومات
    6 – Factsie
    من أمتع المواقع التى تنشر حقائق تاريخية وعلمية و مصادر موثوقة من جهات معتمدة متخصصة وبمجرد النقر على الموقع يعطيك المعلومة بالـمصادر source
    7 – Fast Company’s 30-Second MBA
    يعرض فيديوهات قصيرة لمديرين تنفيذين لشركات يدفعوك للعمل والتعلم ويحكوا عن تجاربهم
    8 – Freerice
    يوسع مفردات كلامك عند الحديث مع الأقل منك ماديا أو جسديا أو مركزاََ
    9 – Gibbon
    يعرض مقالات وأشرطة فيديوهات لمساعدتك على تعلم البرمجة والجرافيك و الـios
    10 – Instructables
    موقع فنى يعرض مقالات وفيديوهات عن تعليم المواهب و المهارات مثل الطبخ ، الرسم ، التزيين ، ترتيب منزلك ، إصلاح امور ، خطط عمل ، عمل حديقة إلخ…
    _______
    وانضم لجروبنا متنساش 👇
    Join us👉 مليون مبرمج مصري
    _______
    11 – Investopedia
    لتعلم كل شيئ تحتاج معرفته عن الأستثمار والتسويق والتمويلات الشخصية
    12 – Khan Academy
    موسوعة كبيرة جدا جدا لتعلم الكثير و الكثير من الامور
    عند دخول الموقع تجد هذه العبارة :
    you only have to know one thing >> YOU CAN LEARN ANYTHING
    13 – LearnVest
    تقديم موارد لمساعدتك على تعلم أساسيات إدارة الأموال الخاصة بيك والتمويل
    14 – Lifehacker
    نصائح لأنجاز أمورك بسرعة وبطريقة صحيحة بدون أخطاء وعواقب
    15 – Lumosity
    لتدريب دماغك على المرح والسعادة عبر ألعاب مصممة بطريقة علمية ، وفيها برامج لتدريب دماغك “علميا” على الذاكرة والأنتباه وسرعة البديهة
    16 – MIT Open Courseware
    كورسات مواد دراسية لجعل من الطالب شخص ذكى
    17 – Powersearching with Google
    يعرض أحسن طرق لمهارة اتقان عملية البحث عن شيئ فى محرك جوجل
    18 – Quora
    يعرض عليك مختارات ثقافية كثيرة ؛ كل ما عليك فعله هو تحديد المواضيع التي تهمك، ويتم يوميا نشر عنهم معلومات ، بالإضافة إلى أنك إذا سألت أى سؤال سيتم الرد عليك .
    19 – Recipe Puppy
    مطبخ كبير جدا
    20 – Spreeder
    لتحيسن فهم وسرعة قرائتك ولصق وتنسيق الجُمل بحرفية
    21 – StackOverflow
    سؤال وجواب للمبرمجيين
    22 – TED-Ed
    دروس وفيديوهات عن كل المواضيع والثقافات
    23 – Udemy
    لتغذية عقلك مع دورات عن كل شيئ .
    24 – Unplug The TV
    موقع علمى يطرح أمور العالم الحديث
    25 – VSauce
    من أهم وأكبر القنوات على اليوتيوب، والتي تعرض حقائق و مواضيع تذهب بك لعالم آخر ...
    ===============

    بعيدا عن جزيرة القراءة

     

    بعيدا عن جزيرة القراءة

     

     أسقط في العبث لو أنكرتُ وجود 


    قرّاء حقيقيّين أوفياء للكُتب لا للكُتّاب، قرّاءَ مُستقلّين، لا يكاد أحدهم يعرف الآخر، ليس لديهم ما يدينون به لأحد، أبصارُهم حديد في حفلات الدّخان وذرّ الرّماد، يتنقّلون في صمت بين المكتبات والأكشاك. يقرؤون ما يطيبُ لهم، ما يختارونه بأنفسهم، دون إحداث ضجيج من حولهم، مُتحرّرين من قيد الحفاظ على الصّديق (أو الكاهن أو الوليّ) بالتّصفيق له على الدّوام. يُدركون أنّ القراءة ليست عملا خيريّا ولا هي المجال المناسب لتوزيع الصَّدقات. تُحرّكهم الأفكارُ ويهتزّون لاهتزازها، غيرَ مُضطرّين بتاتا إلى رفع تقرير مُجاملة أو إعجاب لصاحبها ولا إلى اتّباع طائفة قرّاء موجَّهين مُطيعين كسُيّاح لا يملكون الحقّ في الخروج عن البرنامج الذي سطّره الدّليل. القرّاء الحقيقيّون لا يهمّهم إن كان الكاتب على قيد الحياة أم لا، إن كان له حساب فايسبوكي أم لا، إن كان أو كانت من المُبشِّرين بانتصار النّساء على الرّجال يوما أم لا، إن كان راعي غنم أم واحدا من بين إقطاعيّي الثّقافة في البلاد، إن كان أصلا من هذه البلاد أم من خارجها، إن كان على رأس منبر أو أحد مقرّبيه أم ممّن هم «خارج التّغطية off line». لأنّ قضيّته مع كِتابٍ يُحاورُه في مكتبة لا مع كاتب يتسوّل القراءة، بما أوتي من وسائل الإكراه والإحراج والإغواء. وأن يكون لدينا قرّاء جيّدون على درجة عالية من النزاهة والذكاء والحريّة لا يتجاوز عددهم بكثير الإعلام المُحترف ولجان القراءة في دور النّشر ولجان التّحكيم في المسابقات، فهذا لا يعني أنّ هناك قراءة. ثمّة فرق كبير بين وجود قرّاء ووجود قراءة في بلد ما. القراءة معدومة في تونس. يجب أن نعترف بهذا كي نتقدّم، لأنّ عاطفة المكابرة لم تُؤدّ بالبلدان عبر التاريخ سوى إلى مزيد من التخلّف. أقول إنّ القراءة معدومة، ببساطة وبموضوعيّة، لأنّ شروطها غائبة: إذ لا وجود لنجاح جمهوري للكتب، موت النّقد، مشهدٌ أدبي يوحي بأنّ الكُتُب تمرّ مباشرة من المطابع إلى المحارق (ما عدا من شفع له تتويجٌ مُهم)، دفن المناسبات والفرص الإبداعية والمعرفية (الشحيحة أصلا) حيّة بدعوى الفيروس الذي لم يمنع التلاميذ والطلبة من الدراسة، إبطالٌ تام لدور المؤلّفات السّرديّة في الدّراما، غباء حكومي إزاء فهم معنى الثقافة. في بلد يختار أن يلقي بالكتب من المركب المهدّد بالغرق بدل الحجارة التي تملؤه، سيكون على الكاتب أن يطوّر أسلوبا يجنّبه الاكتئاب والإحباط. سيكون عليه (وهو مُحقّ) أن يلتحق على نحو مُثير للشّفقة بطائفة ما كي يتوهّم في القُرّاء وجود قراءة، وهي إمّا العشيرة أو المُعجَبون بمنبر الكاتب أو النّوادي المُضيّقة أو المجموعات الفايسبوكيّة، وهي جُزُرٌ لا يقطنها عادة أكثر من مائة ساكن أو مائتين، لكلّ جزيرة منها لغة وزعيم وحرَس. وصولا إلى طائفة ليس مُتاحا أن يحظى المرء بقُربهم لأنّهم مُنشغلون على الدّوام بزفّ النّجوم إلى العيون والجوائز؛ لن أتحدّث عن هؤلاء لأنّي لا أملك دليلا على وجودهم. لكنّي في المقابل أملك دليلا على بؤس القراءة: هل كان معرض الكتاب ليُلغى لو أنّ له وزن وليمة الضّباع التي اسمها انتخابات؟

     

    ***

     

    الأحد، 11 أفريل 2021

    الوجود الافتراضي والسعادة المأساوية

     

      الوجود الافتراضي والسعادة المأساويّة

     

     أسقُط في المجانيّة والتحامِلِ المُتعَجّل لو أنكرتُ دور وسائل التواصل الاجتماعي - وعلى رأسها فيسبوك - في نشر الثّقافة وتقديم الفائدة والتعريف بالإنجازات الفنيّة وغيرها. لكن ماذا لو أثبتَ التاريخُ أنّ انتشارها بين الناس لم يكن خيرا شمل جُلَّ سُكّان الكوكب بل أفظع تفشٍّ لوباء اجتماعي رقمي حدث على الإطلاق وأنّ ما جرى حقيقة هو أكبر عمليّة اختطاف إنسانيّة عبر العُصور. إنّما في غياب هذا الاحتمال الذي قد لا أكون من أهل الحياة إن أيَّدَ حدسي، فسأكتفي بتسجيل انطباع ما انفَكّ يُضايِقُني، لذا فقد ارتأيتُ، أخيرا، كي أتطهَّر من رُهاب الوجوديّة الرّقميّة الجديدة تحويلَ هذا القلق إلى كلمات لعلَّه يهدأ.

      الآن، لنتَخَيَّل أنّ أحد الرُكّاب في حافلة مليئة بالمُسافرين يقطَعُ الصّمتَ الكئيب المُخيّم على المكان، ليقف فجأة ويُبدي رأيَه في شخصيّة سياسيّة أو يُعبِّرَ عن تعصُّبه لفريق كرة قدم أو ليُصادِرَ حقّ هذا أو ذاك في أن يبغض ما يشاء، الخ... هل كان الحاضرون سيُعفونه من نظراتهم المُرتابة وهمساتهم السّاخرة؟ قطعا لا. هذا ما يحدثُ كلَّ دقيقة في فيسبوك، هذا المسرَحُ المعتوه الذي يُقدّم فيه الجُمهور عرضَه الصّاخب أمام المقاعد الشّاغرة، غير أنّ أحدا لن يَشُكّ في صحّة مداركك لو قمتَ بما يُشبه ما قام به مُسافِرُنا لو كتَبتَ منشورا عشوائيّا ومُسقَطا.

      ربّما نزّلنا إبداء الرّأي في الشّؤون العامّة منزلةً أفضل من منشورات البكاء والشّكوى والهزل والهذيان والعبث. لكن عموما حتّى إبداء وجهة النّظر يخضَعُ إلى شروط أهمّها السّياقُ والحوارُ والموضوع المُحَدّد. وإلاّ فهي كلامٌ يُلقى دون مناسبة على مسامِعَ أناسٍ لا يربطُ بينهم وبين صاحب الكلام موعِد. فكيف، إذًا، بمن يناجي ربَّه في منشور فيسبوكي أو من يتأوّه أو يصرُخ! بل لقد لاحظتُ عددا كبيرا من التدوينات التي يُفتَرَضُ أنّها تدخُل في دائرة ما يقوله المرء لنفسِه؛ إلى حدّ يجعلني على يقين أنّ عبارة (قال في نفسِه) ستفقدُ معناها ذات يوم.

       وأنا أجوب صفحتي تمُرُّ أمامي زفراتٌ وعَبَراتٌ وحسراتٌ وانفعالات حارَّة تُحرَمُ من مكانها الطّبيعي: القلب أو الدّفتر الخاص، لأنَّ أصحابها أبَوْا إلاّ أن يصدَحوا بها بالنّقر على لوحة مفاتيح. غريب حقّا أن تخرجُ الصّرخة الحديثة مكتومة من بين الأصابع بدلَ أن تخرج حارّة من الحناجر، ومسموعة بواسطة العيون المُنهَكَة بَدَل الآذان الصاغية، وأن يُعَلِّق المُتضرِّعُ إلى الله نُسخةً من دعائه على جدارِه الالكتروني مخافة ألاّ يعلَم غيره بأنّه ناجى ربَّه. هذه أمثلة عن المفارقات التي يعُجُّ بها الفضاء الأزرق حيثُ الأغلبيّة تكابدُ يوميّا وعلى مدار السّاعة لترسيخِها. ثمَّ يُقال إنّ التقدّم التكنولوجي قد منح الإنسانَ فرصة عيش أفضل. هذا صحيح على الأغلب، لكن ليس حينَ تستغلُّ التكنولوجيا افتتانَ الإنسان بالتّعبير لتُصوِّرَ له أنّ الحياة موت ما لم تكن عرضا مُباشرا على الهواء. وأنّ مصيرَه الوحدَة المريرة لو رفض العيش داخل شاشة حاسوبه أو هاتفه. حينها بدَلَ أن يكون المُحَرِّكُ الحضاري الأسمى للحياة هو مدى إدراكنا للعالم من حولنا، نكون على العكس قد اختصرنا النّوع الإنساني في ثنائيّة المُتّصل والمُنفَصل. أي أنّكَ مفقود حتّى نرى مُؤشّرَك الأخضر مُضيئا، في تلك الحالة يُرَحَّبُ بك اسما صاحبُه على قيد الحياة فحسب، لكنّك لن تنالَ اعترافا بالوجود إلاّ إذا "حرّكتَ قدرَكَ الصّغير". قبلَ أن تسقُطُ في النّسيان ثانية، فتصطلي بنار الحاجة إلى الظّهور من جديد لأنّ المنصّة الزّرقاء بالوعة جاحدة، وهكذا نظلُّ ننُطّ دون توقّف أمام بعضنا كجرادٍ مُحاصَر لأنّنا لا نحتملُ فكرة الطّيران.

        دون شكٍّ نحنُ نعيشُ صميمَ الانحطاط، والسّبب هو أنّنا تركنا الحاضِرَ بما هو وعيٌ بالدّور وشجاعةٌ على مُواجهة الذات النَّكِرَة القادرة بمُفرَدها على حماية وجودها المُستَقِل من تغَوُّل رغبتها في بناء العلاقات مع الغير. الذاتُ ذكيّة وهي قادرة على شقّ طريقها في الحياة وتذوّق مسرّاتها وتضميد جراحِها دون هَوَسِ النّقل الفوري والمُستَمِرّ لمسارها ودون خوف من أن تموت قبلَ أن تشهد ذاتٌ أخرى أنّها كانت موجودة. وإنّه من المُخزي حقّا أن نرى أناسا يستدرّون عاطفة الآخرين أو إطراءهم كأنّ المرض أو المُصيبة أهوَنُ من ألاّ يعلَمَ غيرُنا بها وكأنّ ساعة الطمأنينة أو الغبطة هو تهديد بالاختناق لو لم يعلَم غيرُنا بها.

          حريٌّ بالتطوّر أن يكون انتقالا من وضعٍ إلى آخر أرقى، لا توغُّلا في المجهول الذي هو في الحقيقة شرّ معلوم بالنّسبة إلى لصوص العقل الحُرّ المُدرِكِ لقيمته والماسك بزمام أموره واختياراته والواعي بما يُريد. ولأنّ العالم الافتراضي نُسخة مُشوَّهة عن العالم الطبيعي فهو يفرضُ مفاهيمه واحتمالاته وأمراضَهُ ككلّ مُحتَلٍّ خبيث يريدُ تنصيب نفسه بديلا. من بين مفاهيمه الخطيرة أذكُرُ مفهوم السّعادة التي لا "تعملُ" إلاّ إذا تمّ "تشغيلُها". السّعادة التي تطلُبُ الإذنَ قبل أن يسمَح لها صاحِبُها بدخول قلبه. كان علينا الحفاظ على هذا العقل الذي تطلّب البلوغ به إلى هذه المنزلة من الذكاء المُذهل والقدرة على الخلق ملايين السّنين، لكن بَدَل ذلك سعيْنا، بحُمق، مدفوعين بالرّغبة في الظّهور وإثارة الاهتمام إلى إضفاء وجود على وجودنا الطبيعي مُتمثّل في تسوّل دائم لاعتراف من قِبَل الآخرين بأنّنا لسنا عدما لمُجرَّد أنّنا لم نُذكّرهم بذلك. منذُ متى كان الوجود مُرتبطا بالظّهور؟ إن كان الأمر كذلك فإنّ الكائنات الأكثر وجودا هم مجانين المُدن، لأنّهم الأشهر دائما. هكذا يُمسَخُ معنى الوجود من صفة فكريّة وعاطفيّة ذاتيّة واعية تتحقّق بأداء الدّور إلى المعنى الأكثر سذاجة على الإطلاق والمُتجسّد في أن يعلم غيرُنا بوجودنا. لن نستعيد حريّتنا ولن نكسب حربنا ضدَّ البرمجيّات ما لم نَخُضها من الأساس، ما لم نتّخذ مسافة بين موطئ أقدامنا وبين أدوات الزّمن الرّاهن. إن لم نفعَل دُفنّا تحت رُكامٍ من صنعِ أيدينا، كمن يحفر نفقا ويُلقي التّراب وراءه. ألهذا الحدّ اهتزّت ثقة الإنسان في وجوده حتّى باتت تأشيرة تُعطيها الأنوات الأخرى على موقع إلكتروني؟  من البديهي أنّ أعظم كارثة هي انهيار الإنجاز الأعظم على سطح هذا الكوكب. وبما أنّ الكائن الإنساني هو هذا الإنجاز فلن يتسبّب شيء في دمارِه وتَحوّله إلى شحاذ وجود وخادما لرغباته سوى نهمه المُتوَحِّش للتمَيُّز.

          ثمّة فرق بين التطوُّر وبين التمادي وما نعيشُه اليوم لا اختلاف في أنّه انزلاق جماعي يفقد معه الفرد والجماعة على حدّ السّواء قدرتهما على التوقّف أو تغيير المسار، ربّما تكون خطوة تكنولوجيّة عملاقة لكنّها خُطوة نحو الهاوية: انتهاء الإنسان وبداية الآخر. وأعني بالآخر الآلة التي لن تتأخّر جزءًا من الثانية في احتلال الكون واسعبادِنا حالما يبدو لها أنّنا زاهدون في الطّبيعة ومُتخلّون عن تفوُّقنا العقلي. هذا التفوُّق القائم على قدرتنا على تشخيص عِلَلِنا بتبَصُّر وحكمة، القائم أيضا على مناعَتنا ضدَّ السّقوط في فخِّ السّطحيّة. سنَخْسَرُ هذه السّيادة يوما لو تواصَل انسِياقُنا نحو  المُتراكم الإنساني وتصديق قشرته العُلويّة واتّخاذها حقيقة.

        إنّها إذًا، قصّة أناس قرّروا أنّ الذّاتَ لم تعد النطاق الوحيد للشّعور بوجودِها في هذا الكون وأنّ الوجودَ هو "الانوِجادُ" الذي نستَجديه على غرار: « أنا بينَكم إذًا أنا موجود»، «طالما أنا أُشاهَد، إذًا فأنا شيء ما»، والذي نُسكِتُه ثمَّ سُرعان ما نشعُر نحوَه بالجوع وهكذا إلى ما لانهاية. من أسقطنا في شركِ وجود يحتاجُ إلى الشّحن من حين إلى آخر غير ظاهرة "الشّهرة لكلِّ وجه" التي استخدَمتها وسائل التواصل الاجتماعي كَطُعم لا يُقاوَم (حتّى بعد اكتشاف الخدعة).  ناهيكَ أنّ السعادة لم تعد مُكتَفية بذاتها بوصفها حالة امتلاء خالية من أيّ حاجة وإلاّ فهي سعادة مأساويّة لا تُساوي حجمَها، إذ كيفَ نكون سُعداء ونحنُ ننوء بعبء الحاجة إلى إخبار الغير بذلك، كأنّنا نضعُ للرّضا شرطا ونُسلّم الآخر مفاتيح هذا الشّعور الخاصّ. كيف نكون سُعداء وقد جعلنا الآخر مانحا لـــــــ"صكَّ سعادة"؟ والحالُ أنّ الأحاسيس العَذبَة المُرتَبِطة بالسّلام مُكتَمِلة بذاتها ولا يُعقَلُ أن تكون السّلامُ المُحَقَّقُ حالة مُعَلّقة وإلاّ جاز القول مثلا إنّ العدد 5 يحتاجُ إضافة العدد 1 كي يكون 5. مؤكّدٌ أنّه الخوف من التوَحُّد الرّقمي ما يجعلنا نؤدّي طقسَ "الانوِجاد" اليومي متوهّمين أنّ ذلك يُبعِدُ شبحَ الانعدام. فكأنّي بمُستخدمي المنصّة الزّرقاء مُجبَرون على مُقايَضة حُرّيتهم مُقابل الحصول على إذن بممارستها ومُقايضة شعور الانسجام مع الطّبيعة مُقابل الشّعور بأنّ الآخرين يشهَدون بذلك، سبيلُهم في هذا الاستظهار اليومي ببرهان يُثبتُ أنّهم من أهل هذا العالم وإلاّ فهُم عدم. هكذا اتّخذ معنى الوجود أبعادا خطيرة وجبَ أن تحظى باهتمام الباحث المُعاصر كما وجب الكفُّ عن اعتبار  فيسبوك منصّة تواصل اجتماعي لأنّها في الواقع منصّة  تبادل وجودي. وأنا إذ أقول هذا لا أدعو إلى مُقاطعته بل إلى الوعي بالخطر الذي يتهدّد طبيعَتنا الرّاسخة في كلّ خليّة منّا، لأنّ الوعيَ بالظّواهر هو السدّ المنيع الذي سيُجنّبُنا الوقوع بين براثن الآلة ولأنّ المزحة المسمومة لا تُحذّر ولا ترحَم.

    ***

    محمد فطومي

    روائي وقاص تونسي

    05/02/2021

     

     

    الخميس، 11 مارس 2021

    الكتابة

     


    إنّ الإنسانيّة لا تشذّ عن قانون الدفاع عن بقائها رغم أنّها خلاف جميع الأمم الأخرى لا عدوّ لها سوى طيشها ونزعتها الطبيعيّة للخلط بين العادة وبين الحقيقة. وإن كانت مُنتجة للخراب فإنّها تسعى مأخوذة بغريزة البقاء إلى تأخير فنائها. ويشكّل الأدب إحدى وسائلها الفعّالة في ذلك بل لعلّه المتفرّد بالجمع بين أمرين أساسيّين: قاعدة التلقّي الواسعة وإنتاج الفكر والمعرفة الضروريّين لاستمرار الذكاء وقطع الطريق أمام انحدار البشريّة نحو التهوّر اللامحدود ومن ثمّ التوحّش فالنهاية. ولأنّ الأدب فرصة ممتعة ومشوّقة عكس المجالات الأخرى لتنمية ملكة الفهم واستيعاب الوجود والظواهر المنجرّة على تراكم العادات، فإنّه السلاح الأهم لقطع الطريق أمام السقوط في الغباء وتصديق الحماقات التي نصنعها بأنفسها والسدّ المنيع في وجه العشوائيّة. فالأدب إذًا بصفته يمتلك خاصية إنطاق القضايا الجماعية التي اختنقت بسبب المضي الأعمى إلى الأمام يغسل المجتمع البشري من أدران الانسياق الخطير للأجيال وراء أخذ فرصتهم في السيادة وامتلاك الكوكب.

     

    أمّا عن الممارسة الفرديّة للكتابة والي تختلف أشكالها ودوافعها وظروفها من شخص إلى آخر، فأعتقد أنّها لا تتطوّر بالمراس فقط على امتداد زمني طويل بل يرافق ذلك نضج على مستوى الدافع، انطلاقا من تجربتي كتبت أوّل قصّة لي حياتي عندما خطر لي أن أتعاطف مع إنسان ظهرت نتيجة حزينة لتحاليله الطبية، وهو في الطريق إلى بيته تخيّلت مقدار ألمه، أردت التعاطف مع هذا الشخص المُتَخَيّل عن طريق كتابة قصة أجعله يعبّر فيها عن عذابه النفسي. ثمّ بعد ذلك أردت عتاب المجتمع الذي يتمسّك بما لا يعرفه على حساب ما يعرفه، هكذا خطرت لي الفكرة فاخترت موضوعا يوحي بذلك. في تلك الفترة كنت أكتب إما لأثور على سلوك أو لأتعاطف مع ذات شقيّة. لمّا لاقت القصة الثانية نجاحا بفوزها في مسابقة وطنية لها وزن كتبت لأنقش لنفسي اسم
    ا في الساحة الثقافية. توالت النصوص واستطعت مع مرور الأيام أن أراكم بعض الانتصارات الصغيرة. ثم بعد ذلك حين اكتشفت أنّ الأدب هو المجال الخطأ للكسب المادي والحصول على الشهرة صرت أكتب لنفسي غير عابئ بالآخر.
    أكتب الآن لأرضى عن نفسي التي ما كنتُ لأرضى عنها وأتعايش معها في توازن لو لم تكن ذاتا مُعبِّرة مُفكّرة تسعى إلى إبداء رأي في العالم والظاهرة الإنسانية. وما زلت أكتب كأني أريد تخليد أفكار وتأملات راودتني كي تتسنّى لي قراءتها بعد سنين في محاولة ربما للحفاظ على نفسي من التلف.

     

     


    أمّا بشكل شخصي فأكتب لأرضى عن نفسي التي ما كنتُ لأرضى عنها وأتعايش معها في توازن لو لم تكن ذاتا مُعبِّرة مُفكّرة تسعى إلى إبداء رأي في العالم والظاهرة الإنسانية. وما زلت أكتب كأني أريد تخليد أفكار وتأملات راودتني كي أقرأها بعد سنين في محاولة ربما للحفاظ على نفسي من التلف. هكذا تتراءى لي الأشياء. ثمّ في مرحلة أخرى تُطرح أمامي الوجهة التي سأوجه إليها نصوصي من كتب أو قصص منشورة في المجلات الأكثر انتشارا، مع تأكيدي على أنّ هناك فرقا كبيرا وخطيرا بين ما تختاره لأدبك من مسالك وبين دوافعك للكتابة فالأولى مادّية والثانية نفسيّة.

     

    الثلاثاء، 19 ماي 2020

    "غالبا ما يُضطَرّ الكتاب التونسيون (رواية وقصة وشعرا) إلى السقوط في الدعاية لكُتبهم بطريقة إما مُبتذلة أو مُثيرة للشفقة، وهذا يعود إلى موت النقد من جهة وإلى القطع مع قراءة الأعمال التونسية بالكامل تقريبا، بل أكاد أجزم أن لجان تحكيم الجوائز في تونس والعالم العربي هي الوحيدة التي تقرأ (أو تُجبر على قراءة) الكتاب التونسي، رغم ما يُنشَر من أعمال لو تُرجمت إلى لغات أخرى لوصفها أهل تلك اللغات بالمُذهلة والاستثنائية. في الدول الأوروبية، مثلا، ليس أسوأ عندهم من أن يسبق بلدُ بلدًا آخر بتمثيل مسرحية نُشرت فيه، أو الاحتفاء برواية نُشرت فيه. سيكون ذلك بمثابة فضيحة.. إنّ ما حملني أخيرا على كتابة ما يجول في خاطري منذ زمن، هي مبادرة التحدي التي راجت منذ فترة بين الكتاب التونسيّين والتي تقضي بنشر عشرة كتب دون نقد أو إبداء رأي الخ... المؤسف أني لم أر بين تلك الكتب سوى عدد نادر جدا (أو يكاد يكون معدوما) من الروايات أو المجموعات التونسيّة وهذا غريب حقا فهو يندّ عن كتاب يتمنّون هم أنفسُهُم أن يقرأ الناسُ لهم، فيما لا ألاحظ سوى كتب مترجمة بين ما اتّفق عليه "قطيعُ القراء" وبين كلاسيكيّات سيّئة الترجمة ولم تعد بلدانها "تعبدُها"...

    الاثنين، 12 مارس 2018

    المجاميع القصصيّة. هل هي كتب؟




    م/فطومي

         

    قبل الخوض في مسألة جدارة المجموعة القصصيّة بصفة كتاب من عدمها، بعد كمّ «التّتفيه» الذي ما انفكّ يُسلَّط على هذا النّوع من الأعمال الأدبيّة في الفترة القريبة الماضية على وجه الخصوص. أودّ الحديث عن مكوّنها الأساسي: القصّة القصيرة. ثمّ لاحقا عن شقيقتها الرّواية.
    القصّة في اعتقادي هي التقاط متبصّر  للانفعالات الإنسانيّة التي تلقي بظلالها على الجماعة كما على الفرد المؤثّر على الجماعة أو الفرد المختزل للجماعة(الواحد الكلّ). تلك الانفعالات التي بفضلها استحقّ الإنسان صفة الكائن المتفوّق المحاول العاجز الملغز  الحائر المثير للشفقة في آن. وهي أيضا مآخذ يبسطها المفكّر على مجتمعه بناء على ثقافته وتأمّلاته وقدرته على مناظرة الظّاهرة بما يقابلها من حكاية مشحونة بالإحالة وذلك قصد التّنوير  والتحذير وتعرية السّلوكيات التي من شأنها أن تقود إلى الانحطاط والعبث والتخلّف. فترى المجتمعات وجهها الحقيقيّ الذي أخفته العادة والانسياق وراء السّهولة والرفاهيّة المسمومة والسطحيّة والتّنافس الغبيّ والغزو الدّعائي والّلحاق الأحمق خلف ما لا يُدرك أبدا. وهي بالتّالي نصوص قصيرة أريد بها دعوة المجتمعات لمراجعة نظرتها لما بات لديها يقينا أنّه عاديّ بحكم النّزعة البشريّة إلى حشو النّفس بالمتع ولا شيء غير ذلك. ومع تحفّظي على استعمال كلمة مرآة أظنّ أنّ القصّة هي مرآة. لكن ليس بمعنى أنّها تعكس صورة المجتمع كنوع من إعادة البضاعة إلى أهلها بقدر ما هي مرآة عيوب قاسية لا تجامل أبدا. والكاتب الذي يؤلّف نصوصه غير مستبطن لهذه الفلسفة سيسقط بالضّرورة إمّا في كتابة النّكات والوقائع الشّعبيّة اليوميّة المُسلّية في أفضل الأحوال أو في المزايدة على القارىء بالقوميّة والانتصار للفضيلة والكادحين إلى غير ذلك من القيم بشكل فجّ ومفضوح. أمّا الرّواية فهي محمل التطوّر والتحوّلات الإنسانيّة الكبرى  دون منازع وهي استئناسا إلى أنّ القصّة تشبيه طويل فإنّ الرّواية تأويل طويل وهي الطّاقة السّرديّة الوحيدة التي ينبغي أن تكون لها القدرة على متابعة كيفيّة حصول المآل أو المصير انطلاقا من تتابع سببيّ وئيد متشابك زاخر بالأحداث أو الأفكار أو الاثنين معا. وهي أيضا برهنة إبداعيّة على وجهة نظر ما أو عدّة تراوح بين بناء العلاقات وبين سرد جملة المحاولات والصّراعات والاختيارات المتشعبّة التي تضافرت كي تفضي إلى نهاية ما هي عادة إمّا مأساة أو انطفاء.
    وإن كانت القصّة هي الكاميرا القادرة على التّصوير في العتمة فإنّ الرواية هي الكاميرا القادرة على تصوير نبتة تخرج من البذرة وتنمو وتكبر.. إذا ما نتحدّث عنه لا صلة له بوظائف كلا الجنسين أو أفضليّة إحداهما على الأخرى. بقدر ما نتحدّث عن ضرورة تمسّك الكتّاب بمبدأ الإجادة والتّعب الكامل. وعن خصوصيّة كلّ منهما وعن الحاجة إلى كلّ منهما.
    لنختبر الآن سؤالنا المتعب:
    هل المجاميع القصصيّة كتب؟
    كيف لا يتبادر إلى الأذهان سؤال مماثل ونحن نرى كيف أنّ المجموعات القصصيّة عربيّا لا تُعامل على أنّها كتاب يصدر. من حقّه أن يدخل سوق القراءة دون أن يجد نفسه مقذوفا في ساحة مهيّأة لغيره. فرص القراءة فيها غير متكافئة. ساحة تكرّس الأسماء كما لو أنّها علامات تجاريّة ولا تعترف بالمجموعة القصصيّة ولا توليها أيّ اهتمام كما لو أنّها لا تقول شيئا. في هذا ألقي بالمسؤوليّة على دور النّشر والمكتبات إذ لم يعد خافيا على أحد أنّ الرّواية فقط يحقّ لها الظّهور على الواجهات الباذخة للمكتبات ووحدها من تحظى بالنّقد والدّرس ووحدها من يتفنّن النّاشرون في تقريبها من القرّاء وإرغامهم ولو غصبا بشتى السّبل على الرّغبة في قراءتها. من خلال الدّعاية وحفلات التّوقيع والهيلمان المبالغ الذي يقابله سكوت مطبق على المجموعات كأنّها البطّة السّوداء التي لا تشبه إخوتها. حتّى في طريقة عرض الكتب على العموم تقف الإصدارات الرّوائيّة أو المؤلّفات(مهما كانت سخيفة) التي يكون أصحابها وجوها إعلاميّة معروفة فيما تستلقي الكتب الأخرى الواحد فوق الآخر أو تُكدّس كأنّها ستُحرق. آه وهناك طبعا الكائن الثّالث يا سادة. الكائن الثالث هو كائن عجيب غريب وغامض. لا نراه ولا نسمعه رغم أنّه حائز على النّصيب الأكبر من مصادرة الأذواق والتحرّش بالقرّاء ونفخ القشّ وصنع الموضة والنّجوم.  وما على النّاس إلّا أن تطيع لأنّنا في النهاية لا نعرف أكثر من الكائن الثّالث. حين يقول إنّ هذا الكتاب حدث وأنّ الآخر ظاهرة وأنّ الأخر  أسطورة يجب أن نسمع ونطيع. الكائن الثالث غامض مع ذلك هو الذي يقرّر إن كان هذا الجهد يستحقّ صفة كتاب أم لا وهو الذي يسطّر تحت كتاب بخط أحمر  وتحت آخر بأربعة أسطر  برتقاليّة ويمنح المباركة لمن يشاء وينتزعها ممّن يشاء. وهو الوحيد المُخوّل له أن يسمّي رواية ما الرّواية الحدث قبل أن يجفّ حبرها.
    لا أقول هذا تحاملا على الرّواية لأنّ التحامل على جنس أدبيّ هو الغباء الذي كتبتُ لأجله هذا المقال المتواضع. وربّما صدرت لي رواية هذا العام أو في وقت آخر. لكن أقول للقرّاء الذين جعلوهم يظنّون أنّ الرّواية تكسب الإشباع دون غيرها إنّ المجاميع القصصيّة الذي يبدعها هذا الجيل مزوّدة بما يجعلها تكسب القارىء إشباع الرّواية ولذّة السّرد وعمق الفلسفة ومتعة الوصول إلى نقطة النّهاية دون ملل أوكبير معاناة. وإن كان القرّاء يعتقدون أنّ الاقتباسات المقتطعة من سياقها والكلام المأثور الذي يصلح أن تمرّ  فوقه الأقلام الملوّنة (والذي بات غاية في حدّ ذاته). إذا اعتقدوا أنّه لا يوجد إلّا في الرّواية فهذا خطأ لأنّ الكلام المأثور الذي في القصص القصيرة الحديثة يصلح أن يُكتب على الرّخام.
    ختاما أقول للكائن الثّالث وإلى كلّ المساهمين في سلوك التّكريس وإعلاء الشّأن والحطّ من الشّأن طمعا في لا أدري ماذا أو خوفا من لا أدري ماذا: ساووا بين الإصدارات ودعوا الأيدي تمتدّ بحريّة. فالمجاميع القصصيّة كتب أنفق عليها أصحابها سنوات من العمل المضني.  وأقول للسّادة إنّ كتّاب القصّة لم يزهدوا في الغنائم التي تعد بها الرّواية ولا هم عاجزون عن ذلك. بل كان في إمكانهم أن يمطّطوا أقاصيصهم ليحصلوا على الّلقب. لكنّ النّتيجة ستكون حتما روايات لا طائل منها سوى الإشارة إلى ما يجب أن لا تكونه الرّواية.