• الرئيسيّة

  • ‏إظهار الرسائل ذات التسميات القصص المترجمة. إظهار كافة الرسائل
    ‏إظهار الرسائل ذات التسميات القصص المترجمة. إظهار كافة الرسائل

    الأحد، 13 أوت 2017

    طلب عاجل /فؤاد حجازي


    تلفت حوله في حذر.. وقد راعته مهابة المبنى . تتصدر واجهته أعمدة حجرية ضخمة، متوجة بزهور لوتس، أضفت رقة ونعومة على الحجر .
    وقبل أن يخطو، لمح عربة أجرة تقف أمام الباب العريض، مؤطر بثمانية مفتوحة الساقين على اتساع الباب، وتمس قمتها بداية الدور الثاني، المنساب في زرقة سماء، تسبح فيها على مهل رقائق بيضاء، تشف حيناً، وتتكاثف حيناً
    انزوي خلف شجرة من الأشجار المتناثرة حول المبنى، بينها حشائش يانعة الاخضرار، خففت من جهامة جذوعها العتيقة المشققة اللحاء .
    دُهش حين رأى المرأة التي تغادر العربة، وتساءل .. ما الذي أتى بانشراح إلى هنا .. ؟! أم تراها امرأة تشبهها ..؟!
    عاود النظر في الوقت الذي أولته فيه ظهرها، ترتقي درجات السلم العريضة المؤدية إلى الباب . لا .. لا يمكن أن تكون انشراح .. فهو لم يرها إلا مبتسمة، أو مداعبة للأطفال الذين يحملون لها البازلاء والفول الحراتي، لتفصيصهما، والقلقاس لتقشيره، والكرنب لسلقه وإعداده للحشو .
    وقفت عند كشك على يمين الباب، ومال رأسها إلى جنب، فتأرجح قرط معدني، تأكسدت حواف هلاله، وزخرفة في وسطه ببني داكن. تأكدت له هويتها فكثيراً ما رآها ملوحة به متباهية وهي تتبادل عبارات المجاملة مع الأمهات العائدات من أعمالهن، لأخذ ما جهزته. وحين شكرها ذات مرة لتعبها في إعداد كرنبة، طلبت العفو .. فلا تعب هناك، وصرحت له ضاحكة، أنها اشترت ماشة رص حجر الشيشة، واستخدمتها في التقاط أوراق الكرنب من الماء المغلي، وقد أدى غرض ملقط الهوانم الذي تراه في برامج الطبخ في التليفزيون .
    هل ينصرف، حتى لا تراه هذه الأرملة التي لا تُبل في فمها فولة، فتهتز صورته الحازمة في بيته أمام زوجته وأولاده، وأمام مرءوسيه في مصنع الملابس الجاهزة، وربما تعرض للسخرية بتقَّول الناس عليه، أنه لم يكتف بما يصادفه في الدنيا حوله، ولجأ إلى "المبكاه" ليبكي مثل النساء. أم يهمل ما قد يقال، ويصغي لنصيحة طبيبه بضرورة دخول هذه الدار، حتى لا تتفاقم حالته، وقد جرب أدوية كثيرة دون فائدة. وحذره من التقاعس، فقد تعصاه أعضاء جسده، ويصاب بشلل نصفي في الوجه، أو تيبس في القدمين يتعذر معه المشي .
    خطا نحو الكشك، يدفعه فضول لمعرفة سبب حضور انشراح، وينحى بصعوبة هواجسه، فلم يسبق لأحد أن أخبر عما لاقاه في "المبكاه" وثمة شائعة متداولة أن الداخل مفقود .
    ناول المستخدم تقرير طبيبه، شمله بنظرة سريعة وقال :
    - قدمه في حجرة الأمناء .
    وجذب استمارة من ملف أمامه، ليملأ بياناتها، وتطلع إليه، فقال :
    - عطوان الزهيري
    - السن .
    - 54 عاماً .
    - هل سبق دخول "المبكاه" .. ؟
    - لا
    - انفلات أم تحجر .. ؟
    - تحجر .
    - الأمناء ثالث حجرة على يمينك .
    وجد في الحجرة عدة مكاتب، يجلس إليها الأمناء، فوقف حائراً. أشار له أحدهم، فلحظ أن مكتبه أعرض، وأوحى وقاره أنه كبيرهم .
    ناوله ما بيده، كرمش التقرير وألقاه في سلة المهملات. وإزاء نظرة عدم الفهم، قال كبير الأمناء في ضيق :
    - لسنا جهة علاجية، إننا نساعد الناس على استعادة مقدرتهم على البكاء العادي .
    وضغط زراً خلفه على الحائط، فحضر ساع ناوله الاستمارة وقال :
    - المشرف المناوب .
    سارا في البهو، حتى وصلا إلى حجرة، مكتوب على لافتة نحاسية معلقة على بابها "لمشرفون"
    وبها عدد من العاملين، وضع الساعي الاستمارة على مكتب أحدهم وانصرف .
    قرأ عطوان على واجهة مقلمة على مكتبه "نظمي البيلي"
    قرأ المدعو نظمي الاستمارة، واستكمل بعض البيانات عن عمله وتاريخ الحالة وطبيعتها، فأفاده أن رغبة في البكاء تلح عليه ، لكنه غير مستطيع .
    - تستريح قليلاً أم نبدأ الآن .. ؟
    ولما كان عطوان في شوق للخلاص، قال :
    - الآن
    نظر نظمي في ساعته وقال :
    - خير البر عاجله.. حانت نوبتي على أية حال .
    مشيا في البهو، لا تكاد قامة عطوان تحف بكتفه، واكتنفه خجل من بدلته، التي ظنها فخمة، فإذا هي لا شيء بالقياس إلى بدلة المشرف، رمادية اللون، صوفها انجليزي كما بدا له، بها أقلام بيضاء تفرق بينها مسافة إصبع .
    توقف أمام حجرة في أول البهو على اليسار، نصف بابها العلوي زجاجي غامق، وطلب من عطوان النظر .
    لم يكد يفعل حتى ارتد مضطرباً .
    ابتسم نظمي، ووشت عيناه الخضراوان بعدم مبالاته، وقال :
    - زجاج فيميه مركب بحيث تراها وهي لا تراك .
    استرد عطوان أنفاسه، وقد اطمأن لعدم رؤية انشراح له، ولحظ انحناءة في ظهر نظمي، وهو يمد يده ليحرك زراً في سماعة مستديرة أعلى الباب، وسمع انشراح تبكي وتقول :
    - فصصت فدادين، وقشرت فدادين.. وبنتي الكبيرة أخذت دبلوم تجارة، رفضت المحال التجارية تشغيلها، لأنها لا تعرف كتابة اسمها، ومنعت ابنتي الثانية عن المدرسة .
    وأجهشت في البكاء، فاختلط دمعها بكحل حول عينيها، ولطخ في تعرج وجنتيها في لون ورِقة قشر البطاطس .
    وكررت ما قالته، وعاودت البكاء، وهي تهز رأسها، فيهتز هلالاه. وانحسر منديل أبيض عن رأسها، فظهر مفرق شعرها المكشكش، وتعلق بشعرها الملموم خلف رأسها كشوشة كوز ذرة صغير .
    أشار نظمي لمجموعة من النزلاء، كانت في انتظاره، فتقدمت إلى الحجرة، تنحى عطوان جانباً، وقد تسللت إليه شفقة، وهو يرى جسمها بسيطاً في جلباب من كستور منقوش، بعد أن خلعت معطفاً من قماش خفيف أزرق متراخي النسيج لا يفارقها، وعاتب نفسه لظنه أن فشتها عائمة .
    سأله نظمي :
    - ها ..
    هز رأسه نفياً
    - ولا بادرة رغبة في البكاء .. ؟
    عاود هز رأسه بالنفي . وأراد أن يسأله عن سبب وجودها في "المبكاه" وهي تستطيع البكاء في الخارج كما تشاء .
    أفصحت نظرات نظمي، عن معرفته لما يدور في خلده، لكنه اصطحبه إلى استراحة في وسط البهو، يقدمون فيها مشروبات وشطائر وبسكويت مغلف في أحجام ونكهات مختلفة، جلسا إلى ترابيزة مستديرة وقال نظمي :
    - أنت ضيفي اليوم .
    وافق عطوان بعد تمنع، وطلب شاياً، أتى به العامل، وبرفقته قهوة لنظمي دون سؤاله. رشف رشفة استطعم فيها مذاق البن المنعش، وقال :
    - انشراح تأتي كمتطوعة عدة ساعات في اليوم، ليراها المتحجرون، ربما لانت محاجرهم .
    أثنى عليها عطوان في سره، وهو الخائف من معرفة أحد بحضوره، بينما استمر نظمي :
    - وهي أيضاً تستفيد، فالبكاء هنا آمن، وسوف نساعدها، لو انفلت عيارها، أما لو حدث ذلك في الخارج فستجبر نفسها على التوقف لممارسة عملها، وقد تصاب بالتحجر.
    تعلقت عينا نظمي بساعة كبيرة على الحائط، وقال وهو ينهض:
    - انتهت نصف الساعة المقررة .
    ذهبا إلى المجموعة، وتملى نظمي في وجوههم ، وسأل :
    - لا جديد .. ؟
    لم ينتظر إجابتهم، وصحبهم إلى الحجرة التالية.
    لم يكد عطوان ينظر حتى ارتد غير مصدق. ربت نظمي على كتفيه وأعاده إلى مكانه، كان الطبيب الذي كتب تقريراً عن حالته يقول :
    - المخدرات التي تباع في السوق رخيصة، وتؤثر بشدة على الفص الأمامي للمخ، المسئول عن ترويض الغرائز والسيطرة عليها، شكونا لنقابة الصيادلة، ولوزارة الصحة، وما من مجيب .
    وانفجر باكياً .
    وبعد انتهاء الوقت المقرر، عاود نظمي سؤاله لهم وهو يتفحص وجوههم، ودن أن ينتظر إجابة قادهم إلى الحجرة التالية.
    رأى نظمي عجوزاً أصلع ، وسمعه يصيح في عصبية :
    - أوقفوا دوري كرة القدم وجثتي نحست لعجزي عن الاستحمام .
    وانفجر باكياً ..
    - الدنيا برد . والمياه لاتصل إلى الدور الرابع بالموتور .
    وعلا نشيجه، وقال وهو يتفتف :
    - جمهور النادي الأهلي الكبير عندما يتسمر أمام التليفزيون، يسمح ضغط الماء يإشعال سخان البوتاجاز ..
    وأخذ يبكي ويلطم خديه .
    وبعد انتهاء الوقت، سألهم نظمي، وقادهم إلى الحجرة التالية .
    نظر عطوان، فتراجع وهو يردد :
    - معقول .. ؟!
    عاود النظر فتأكد له ما يراه. الشحاذ الذي يفترش الرصيف على ناصية شارعه، معوج الساقين، وجلبابه رثة وشعيراته الهشة مهوشة أعلى قورته، ويمد يده اليمنى مفرودة الكف كصحن يتلقى حبات المطر.
    رآه عطوان في بدلة لا بأس بها، وقد ابيض وجهه، ونام شعره على رأسه بكريم لمعه .
    وكان لا يصدق ما ترويه عنه انشراح. يعطيها الفكة لتمشي حالها ويأخذ الورق الصحيح، ويذهب إلى ميضأة مسجد قريب ويغير ملابسه . وصارت بينهما معرفة، فأخبرها أنه موظف، وله أولاد في الجامعة. يأتي في بعض الأيام ، ويواظب في يومي الإجازة، فبعد صلاة الجمعة، ينعم بأريحية المصلين، وفي يوم السبت تقام السوق الأسبوعية للمدينة، فيجلب الفلاحون الخضروات والسمن والجبن وشقق العيش البيتي المرحرحة والفطير، يجاورهم باعة الملابس المستعملة، والأدوات الكهربية القديمة وهواة تطيير الحمام، يعرضونه في الأقفاص على الشباب .
    وكان الرجل يولول ويصيح :
    - قرار جائر .. منهم لله .. قطعوا عيشنا.. كلما رآنا مخبر أخذنا للتحري عنا ..
    قرار جائر.. حرم الناس من الحسنات ومردودها المجزي .. فالحسنة بعشرة أمثالها.. وحرم الناس من الإحساس بالراحة بعد الإحسان .. قرار ظالم ..
    وانخرط في بكاء شديد .
    وبعد انتهاء الوقت، كرر نظمي سؤاله ، ودون أن ينتظر رداً كالمعتاد ، قال :
    - يكفي ما شهدتموه اليوم .
    وقبل أن ينصرفوا، أسرع ساعٍ إلى المشرف نظمي، وناوله ورقة، وقال :
    - طلب بكاء عاجل . كبير الأمناء أوصى بتلبية الطلب في الحال .
    رد نظمي في ضيق :
    - دون ترتيب ..؟!
    وما كاد يفرغ من قوله، حتى جاء أحد الأمناء بصحبة سيدة، تركها، وانتحى جانباً بنظمي وقال بصوت خافت
    - إنها تريد البكاء لوجه الله .. ويريد سعادة كبير الأمناء الإفادة من حماسها قبل أن يخبو .
    جمع نظمي المتحجرين حول السيدة، التي بدت في منتصف العمر، متناسقة الجسم، ولا يدري لماذا ذكرته بانشراح التي تميل إلى الطول مثلها، لكن بطنها بارزة قليلاً . أشار للسيدة، فقالت :
    - الطيران .. الطيران ..
    وانفجرت باكية .
    - اشتريت قطعة أرض، أقمت عليها بيتاً من دورين، الثاني لسكناي، والأول جهزته بمكن سرفلة وعمل العراوي.
    وصرخت ودخلت في نوبه بكاء، قالت بعدها :
    - الترخيص .. الترخيص ..
    غرامة لأنني بنيت في منطقة عشوائية. أفادت ورقة من الحي أن الأرض داخل كردون المدينة .
    لم يعترفوا بها، ورقة من وزارة الاسكان أكدت ما جاء في الأولى. اعتمديها من المساحة .
    اعتمدتها، ودفعت .. رسوماً ، وإكراميات .. يلزم شهادة من الطيران المدني أن البيت لا يقع في مسار الطيران .. حتى لا تحف به طائرة ..
    ورقعت بالصوات .. وصاحت :
    - الطيران .. الطيران ..
    وقالت إدارة الطيران لا نعطي شهادة لأفراد، وقالت إدارة التراخيص لا نعطي جواباً، فلا مصلحة لنا،ارجعي للطيران..
    الطيران .. الطيران ..
    وتملكتها نوبه بكاء هستيرية .
    - رق عطوان لحالها، فتقدم نحوها . برقت عينا نظمي وأخبره هامساً أن قواعد "المبكاه" تقضي بعدم التدخل .
    وحين تأمل وجوه المتجمعين، ورأى بعضهم يبتسمون، وبعضهم يضحك في خفوت، قرر حجز السيدة في عزل المنفلتة دموعهم لسبر غور بكائها .
    وعندما رأى بعد قليل عيونهم تنشع بالدمع، غزاه قلق مبهم. فهل هي الدموع التي تعقب الضحك، وتجعلنا نقول : اللهم اجعله خيراً، أم هي دموع حقيقية، وتأكد له ما انتواه من ضرورة حجزها .
    صرف نظمي المجموعة ، وذهب إلى حجرة المشرفين بصحبة عطوان والسيدة. دخل ليعد تقريره عن جولة اليوم بينما انتظراه على دكة في جانب من الباب .
    استدعى نظمي عطوان، وأخبره بضرورة حجزه، فحالته لا تتحمل وجوده خارج "المبكاه" .
    وقبل أن يسأله عن موقفه في العمل، طمأنه ألا يشغل باله، وسيعامل كمن في مهمة رسمية .
    - ولو سمحت تليفونك المحمول وبطاقة الرقم القومي .
    وضغط زر الجرس، جاء على أثره ساع :
    - عزل المتحجرين .
    سار معه عطوان وقد غامت عيناه، لا تغادر مخيلته ما رآه . سأل الساعي عن أوضاعهم، فلم ينبس بكلمة .
    مد يده في جيب بنطلونه، وعزل ورقة مالية جانباً، وفركها ليتأكد من وحدانيتها. لقمها يد الساعي، فقال بجفاء:
    - ماذا تريد أن تعرف .. ؟!
    - الشحاذ .. ؟
    - محجوز .. فكلامه عن المردود خطر .. وقد يؤدي –كما سمعت من أحد الأمناء– إلى فتنة طائفية فنحن لا نعرف مردود الحسنة في الديانات الأخرى .
    - و الطبيب .. ؟
    - معه تصريح بالحضور يومين في الأسبوع .
    - والعجوز .. ؟
    - محجوز حتى عودة الدوري .
    وتلعثم عطوان وهو يبحث عن كلمات يستفسر بها عن موعد الإفراج عن المتحجرين .
    لزم الساعي الصمت، فلقمته يد عطوان ورقة أخرى ، قال :
    - فرجه قريب .
    - ماذا تقصد .. ؟!
    - أحدهم رأيته يبكي وقد انفرد بنفسه في نهاية إحدى الجولات، وأبلغت المشرف، فسارع وتفحص وجهه، وسأله بضع أسئلة. وكنت أقف في انتظار أية إشارة، لكن المشرف اقترب مني، وشوح بيده وهو يهمس: دموع للتحايل على الخروج .
    وصلا إلى حجرة كبيرة في الدور الثاني، وسلمه الساعي للقائم عليها، وغادره وهو يقول أنه في خدمته لو احتاج لأي شئ .
    رأى بالحجرة أسرة على الجانبين.. هذا مستلق.. وذاك يقرأ .. وبعضهم يلعب الورق أو الشطرنج في صمت .
    ألحت على عطوان رغبة في البكاء، فسأل القائم عن حجرة خاصة ، فلم يرد .
    عندئذ لقمه بالمعلوم . قال :
    - سأعطيك حجرة اليوم استثناءً .. وفي الغد، تكتب طلباً وتضع مبلغاً في الأمانات، لتسديد إيجارها .
    وقاده إلى حجرة مجاورة، فتح بابها الخشبي الرصاصي اللون، ولم يكد يدخلها ويغلق الباب حتى سمع نقرات عليه، والقائم يفتحه ويقول :
    - معذرة .. نسيت أن أبلغك ببرنامج الغد ، في الصباح جولة على المنفلتة دموعهم .
    - الذين رأيناهم اليوم .. ؟
    - لا .. نوعية مختلفة . وبعد الظهر ، سيشاهدكم المنفلتون .
    - كل منا في حجرة .
    - لا .. فالمشكل أن أياً منكم لا يبوح بقصته.. ستوضعون في حجرة واحدة .
    وأعقب شده للباب خلفه، سكون مطبق . سكون مشبع برطوبة الحيطان وبلاط الأرضية، سكون له ملمس معدني كشباكي سريره والكرسي والترابيزة. سكون تسرب إلى مسامه يكاد يرعش أطرافه . جلس على حافة السرير ومد يده إلى جيبه ليأخذ تليفونه، وسرعان ما أخرجها كاسف البال . أمسك رأسه بين يديه فإذا بتنميل، انتفضت منه أعداد كبيرة من النمل عندما حركها .
    استلقى سانداً رأسه على حديد الشباك .
    وانسابت دموعه ..
    ***
     (مجلة الكلمة آب 2017)

    الأحد، 23 جويلية 2017

    سوف يحدث شيء / هاينرش بل



    الفترة التي قضيتها موظّفاً في شركة "ألفريد فونسيدلز" تعد من أشدّ الفترات غرابةً في حياتي؛ 
    فأنا كائنٌ يميل بطبيعته إلى التأمُّل وعدم العمل، إلَّا أن المرء يضطر أحياناً إلى الالتحاق بما يسمّى بالوظيفةِ جرّاء مصاعب ماليَّة مستمرَّة؛ ولأنّ التأمّل والتبطّل لا يجلبان مالاً - ولا سيّما أنني وصلتُ ثانيةً إلى الدرك الأسفل من المعيشة -، فالتجأتُ إلى وكالة الوظائف الشاغرة، ومن هناك أُرسِلتُ إلى شركة فونسيدلز برفقة سبعة آخرين يبحثون مثلي عن وظيفةٍ ما، حيث يتوجّب علينا أن نجري هناك اختبارات تُبيِّن مدى قدرتنا على العملِ. 
    المشهد الأوّل للشركةِ جعلني أشكّك بنفسي. الشركة بالكامل كانت مبنيةً من القرميد والزجاج، وما أحمله من نفور تجاه الأبنية والغرف المُضاءَة التي يدخلها النّور، لا يقلّ البتّة عن نفوري من العملِ بذاته. 
    ازددتُ قلقاً حينما قُدِمَت لنا وجبة إفطار في مقصف الشركة المُضاء والمزيَّن بألوان مُبهِجة. النادلات الجميلات قدمن لنا بيضاً، قهوةً وخبزاً، وفي الزجاجات الشهيّة كان عصير البرتقال اللذيذ، وفي داخل الأحواض الخضراء البهيّة كانت الأسماك الذهبية تضغطُ بوجوهها المغرورةِ على الجدران. 
    النادلات كن مسروراتٍ جدَّاً لدرجة أنّهن أوشكن على الإنشاد فرحاً، لكن، كما بدا لي أن إرادتهن القويَّة كبحت جماحهنّ وحالت دون ذلك. لقد كنّ مليئاتٍ بالأناشيد وكأنّهنّ دجاجات معبّئات ببيوضٍ لم تهبط بعد. 
    خمّنتُ على الفور - ما لم يبد على زملائي معرفته - أن تكون وجبة الإفطار جزءًا من الاختبار الذي سنجريه، فبدأتُ أمضغُ الطعام بتفاني رجلٍ يدركُ جيِّداً أنَّه يزوِّد جسمه بأطعمة بالغة النفعِ، ومن ثمّ أقدمت على فعل شيءٍ لم تكن أيّ قوة في العالم ستُكرهني على القيام به، حينما شربتُ عصير البرتقال على معدةٍ فارغة! وأبقيتُ القهوة وبيضةً في الصحن، كذلك قسماً كبيراً من التوست. بعدها وقفتُ وصرتُ أتمشّى في المقصف جيئةً وذهاباً كمن يخطِّط لشيءٍ ما، حتّى اختاروني كأوَّل من سيتمّ اختباره وأدخلوني غرفةً، حيث كانت ورقة الأسئلة موضوعة فوق طاولة جذّابة. كانت الجدران المطلية بدهانٍ أخضر يضيف سحراً لأثاث الغرفة. 
    لم أر أحداً في الداخل، لكنّي كنتُ متأكداً أنّهم يراقبونني، فتصرفتُ كمن ينوي القيام بِشَيءٍ ما مُعتقِداً أن لا أحدَ يراه: أخرجتُ بلهفة القلم من حقيبتي وأزلتُ غطاءه وجلستُ على طاولةٍ قريبة ساحباً ورقة الأسئلة نحوي كغاضبٍ يجرّ إليه فاتورة مأكله في مطعمٍ ما. 
    كان السؤال الأوّل يستفسرُ إن كنتُ أعتبر ذلك جيِّداً، أن للآدميِّ ذراعين وقدمين، عينين وأذنين؟
    وهنا بالذات حصدتُ لأول مرَّةٍ نتاج تأمُّلاتي الطويلة وصرتُ أكتب بلا تردّدٍ: حتّى لو ملكتُ ضعفَ ما أملك من أرجل وآذان وعيون لما أشبعتُ نزعتي إلى العمل؛ إن بنية الإنسان هزيلةٌ بحق. 
    السؤال التالي كان يستفسر عن عدد الهواتف التي يمكنني تدبّر أمرها في الحين ذاته؛ فأجبتُ بسهولةٍ وكأنّني أحلّ معادلةً بسيطة من الدرجة الأولى، قائلاً: لو أنّ ثمّة سبعة هواتف فحسب، فالأمر يسيرٌ، لأنني سأشعرُ فقط عند الهاتفِ التاسع بأنَّني مشغولٌ حقاً. السؤال الثالث كان كالآتي: ماذا تصنع عادةً بعد الانتهاء من العمل؟ أجبتهم بأنني لا أعرف عبارةَ "الانتهاء من العمل"، وبأنَّني في سن الخامسة عشرة حذفتُ هذه العبارة من ثروتي اللغوية، لأنَّ "في البدء كان العمل"..
    حصلتُ على الوظيفة. وفي الحقيقة لم أشعر بالانشغال حتَّى مع وجود تسعة هواتف. كنتُ آمرُ الآخرين على الدوام وأردّد جملاً على مسامعهم، مثل: افعل ذلك على الفور؛ أو قم بِشَيْءٍ ما حالاً؛ أو يجب أن يتمَّ ذلك؛ أو سوف يحدث ذلك. كنتُ أستخدم أسلوب الأمر كثيراً وبدا لي ذلك ملائماً لجوِّ العمل. شيّقة كانت استراحات الظهيرة أيضاً، حينما كنَّا نجلس في المقصفِ، مُحاطين بمسرَّةٍ واجمة، نتناول أطمعةً مُشبعة بالفيتامين. 
    وكانت شركة فونسيدلز آنذاك قد عجّت بأولئك المهووسين بسردِ سير حياتهم، تماماً كما تحبّ الشخصيات القوية أن تفعل. سير حياة هؤلاء تهمّهم أكثر من حياتهم نفسها، ولا يحتاج الأمر إلى الكثير من المقدّمات، حتى يبدأوا بتقيّؤ أمجادهم. 
    مندوبُ شركة فونسيدلز كان يدعى بورشيك، هذا الشخص اكتسبَ شهرةً واسعة لأنَّه كان يرعى سبعة أطفالٍ وزوجةً مُعاقة من خلال عمله الليليّ، وفي الوقت نفسه كان يروُّج بنجاحٍ كبير لأربع شركات تجاريّة ومع ذلك حصل خلال عامين على شهادتين جامعيتين بدرجة امتياز. وحينما سأله أحدُ الصحافيين: متى تنام إذاً، سيّد بورشيك؟ أجابَه بأنّ النّوم إثمٌ! وبأن سكرتيرة شركة فونسيدلز كانت ترعى بدورها أربعة أطفالٍ صغار وزوجاً مشلولاً من خلال عملها في الدّعارة وحصلت في الوقت ذاته على شهادتي دكتوراه في علم النفس والتاريخ المحليّ، وكانت أيضاً تربّي كلبَ حراسةٍ واشتهرت كمغنيّة حاناتٍ تحت اسم "الفاتنة 7". فونسيدلز نفسه كان من الأشخاص الذين بالكاد يفتحون أعينهم صباحاً وهم مصمّمون على العمل، أولئك الذين يفكِّرون بأنّ عليهم أن يعملوا بينما يشدّون بحيوية هائلة معطفَ الحمام حول أجسادهم، هؤلاء الذين يردّدون في قرارة أنفسهم: علينا أن نعمل، بينما يحلقون ذقونهم ويحدِّقون كمنتصرين في بقايا الشَّعْر التي يزيلونها مع رغوة الصابون عن ماكينات الحلاقة. بقايا الشَّعْر هذه هي أولى ضحايا نزعتهم الكبيرة إلى العملِ. حتّى النشاطات المنزليّة الاعتياديّة تُشعِر هذا النمط من النَّاس بالنشوة، مثلاً سريان الماء من الصنبور، استعمال المناديل، تناول الخبز، ارتطام البيضةِ بالرأس.. المهمّ أنّ ثمّة شيئاً ما يحدث.. 
    الأشياء الروتينيَّة البسيطة تبدو لدى فونسيدلز كأعمال حقيقيّة، مثلاً كيفية ارتدائه لقبعته، زرّه لمعطفه وهو يرتجف من فيضان الطاقةِ في داخله، القبلة التي يمنحها لزوجته؛ كلُّ شيءٍ عملٌ. 
    وفي الصباح، لما كان يصل مكتبه كان يُحيّي السكرتيرة، قائلاً: "يجب أن يحدثَ شيء ما"، فكانت تردُّ عليه بجسارةٍ وسرورٍ: "سوف يحدث شيء ما". بعدئذٍ كان يتنقّل من قسمٍ إلى آخر مُردِّداً تحيَّته الفرحة: "يجب أن يحدث شيء ما"، فيردُّ الجميع: "سوف يحدث شيء ما". وأنا أيضاً كنتُ أردُّ عليه بعد أن يدخلَ غرفتي مُبتهِجاً: "سوف يحدث شيء ما". 
    خلالَ الأسبوع الأوّل رفعتُ عددَ الهواتف المستخدمة إلى أحد عشر هاتفاً، خلال أسبوعين إلى ثلاثة عشر. كنتُ أستمتع كلّ صباح في المترو وأنا أبتكرُ صيغاً جديدة للأمرِ، مستخدماً الفعل في أزمنةٍ مختلفة مع أجناس متغيِّرةٍ. طوال يومين بقيتُ أكرِّر ذات الجملة لأنَّني وجدتها ساحرةً: "كان يجب أن يحدثَ ذلك". طوال يومين آخرين :"كان لا يجب أن يحدث ذلك". وهكذا أخذت أشعر بالتّعب وكأنّ شيئاً قد حدث بالفعل. في صبيحةِ يوم ثلاثاء، للتوِّ كنت وصلتُ المكتبَ ولم أكن في مزاجٍ حسنٍ، حينما ولجَ فونسيدلز الغرفة مُردّداً عبارته :"يجب أن يحدث شيء ما"، لكنَّ شيئاً مبهماً في تعابير وجهه جعلني أتردَّد في الرد عليه مغتبطاً كعادتي، ويظهر أنَّني تردّدت طويلاً في الردِّ حتَّى صرخَ فونسيدلز، الذي قلَّما يصرخ في وجهي، آمِراً أن أجيبه كما ينبغي. فأجبته مكرهاً مثل طفلٍ يجبرونه على قول إنَّه "طفلٌ سيّئٌ". بعد جهدٍ كبير أخرجتُ من داخلي الجملةَ المراد قولها:"سوف يحدث شيء ما"، وبالكاد انتهيتُ من نطقها حتّى حدثَ شيء ما بالفعل، حيث سقط فونسيدلز أرضاً وتدحرج على جانبيه إلى أن وصلَ أمام الباب المفتوح، ممدداً على الأرض بشكل أفقيِّ. أدركتُ حينها على الفور، ما تأكّدت منه بعد أن خرجت من خلف الطاولة، متوجهاً نحو فونسيدلز المُمدَّد على الأرض، بأنَّه قد لفظ أنفاسه. 
    مررتُ من فوق فونسيدلز وسرتُ ببطءٍ في الممرِّ الذاهب نحو مكتب بورشيك وأنا أهزُّ رأسي مستنكراً ما حدث. دخلتُ دونما إذنٍ على بورشيك، الذي كان جالساً خلف إحدى طاولاته حاملاً في كلتا يديه سماعة هاتف وفي فمه قلماً كان يدوّن به ملاحظاته على ورقة وبقدميه الحافيتين كان يدير ماكينة خياطة موضوعة أسفل طاولته، حيث كان يساهم بذلك في إتمام حياكة ملابس عائلته، قائلاً له بصوت خفيض: "بورشيك، لقد حدثَ شيء ما".. على الفور قذفَ بورشيك القلمَ من فمه، أنزلَ سماعتي الهاتف وأبعدَ بتردِّد أصابع قدميه عن آلة الخياطة متسائلاً: ما الخطب؟ ما الذي قد حدث إذاً؟ لقد ماتَ السيّد فونسيدلز، أخبرته. كلا، لا يمكن أن يحدثَ ذلك، ردّ بورشيك، لكنَّه مع ذلك أدخلَ قدميه في خفافته والتحقّ بي في الممرِّ. صرخَ بورشيك: لاااا؛ حينما وقفنا سوياً على جثة فونسيدلز. لم أنهره، وبحذرٍ أدرتُ جثة فونسيدلز وجعلته ممدَّداً على ظهرهِ ومن ثمَّ أقفلت عينيه وفكَّرتُ فيه مليَّاً. 
    شعرتُ حقّاً بالشفقة عليه وأدركتُ حينها لأوّل مرَّة بأنَّي لم أكن أحمل تجاهه أيَّ كرهٍ. بدا على وجهه ما يبدو جليَّاً على وجوه الأطفال، الذين يرفضون بعنادٍ أن يبدلوا آراءهم في سانتا كلوز (بابا نويل)، على الرغم من رصانة الحجج التي يسمعونها من أصحابهم أثناء اللعب، والتي تدحض ذلك كليَّاً. كلا، كلا، ردَّد بورشيك ثانيةً. أخبرته، بصوت خفيض، أن شيئاً ما يجب أن يحدثَ، فردَّ بأنَّني مُحقٌ في ذلك وبأنّه ينبغي أن يحدث شيء ما". 
    فحدثَ هذا الشيءُ: تم دفن فونسيدلز، واختُرتُ كي أحملَ إكليلاً من الورود الاصطناعية خلف نعشه، وذلك لأنَّني لا أمتلك فقط النزعة إلى التأمُّل واللاعمل، إنما أملكُ أيضاً جسداً ووجهاً مناسبين لارتداء بدلة سوداء. من الواضح أنَّني كنتُ أبدو رائعاً بينما كنتُ أسيرُ خلف جثمان فونسيدلز، حاملاً إكليلاً من الورود الاصطناعية، حيث تلقّيتُ بعدئذٍ عرضاً للعملِ "كحزينٍ" مع مؤسسة مُعتبرةٍ لدفن الموتى. أنتَ حزينٌ بالفطرةِ، أخبرني مدير المؤسسة وأضاف بأنّني سأحصل على الملابس اللازمة للعمل من دون مقابل.. 
    وجهكَ، آه ما أروعه! ردّد المديرُ. 
    أخبرتُ بورشيك بأنني لم أعد قادراً على العمل في الشركة، مُعلِلاً ذلك بأنّي غير مؤهّل لذلك العمل على الرغم من الهواتفِ الكثيرة التي كنتُ أتدبّر أمرها.
    بعد أن عدتُ من أوِّل جنازةٍ سرتُ فيها عرفتُ بأنّ هذا هو العمل الذي كنت أبحثُ عنه، وبأنّ هذا هو المكان الذي أنفعُ فيه.. حيث متفكِّراً أقفُ خلف التوابيت في مصلى الجنازةِ، حاملاً في يدي باقة وردٍ بينما تُعزَف مقطوعة "لارغو" لهاندل، هذه المقطوعة التي لا تلقى أيَّ اهتمامٍ. 
    لقد أصبح الآن مقهى المقبرةِ مأواي المفضّل، وهناك أقضي الوقتَ الفاصل بين نوباتِ عملي، وأحياناً أخرجُ منها منضماً إلى جنازاتٍ لستُ مدعوّاً للسير فيها، بعد أن أبتاع باقة وردٍ من مالي الخاصّ وأسير إلى جانب موظِّف الخدمات الاجتماعية خلفَ تابوت أحدِ المشرَّدين.. ومن حين إلى آخر، أزور قبرَ فونسيدلز وأشكره لأنَّه كان سبباً في اكتشافي لعملٍ تلائمه كثرة التفكير ومن متطلَّباته ألا يفعلَ المرء شيئاً. 
    مؤخَّراً خطرَ لي بأنَّ المادة التي كانت تُصنَع في شركة فونسيدلز لم تثر انتباهي أبداً لدرجة أنني لا أتذكرها الآن.. ربَّما كانت الصابون، لكنني لستُ متأكداً من ذلك!



    ترجمة عن الألمانية: سوار ملا
    منشورات مجلة "ضفة ثالثة" باب نصوص/قصّ

    الاثنين، 17 جويلية 2017

    عن أشياء تسقط / محمد فطومي




    بدا واضحا أنّي فقدتُ يوم الخميس.
    لم تكن أزمة كالتي ترافقني سنة أو سنتين في شكل فكرة غاية في الغباء ثمّ تمضي. كان الأمر في البداية شبيها بمجّ سيجارة مثقوبة. أشياء تحدث كما ينسى المرء إن كان صافح أحد الذين التقاهم، وليرحم نفسه من جلد الذّاكرة يظلّ يردّد في سرّه: «لا يُعقل أن لا أكون صافحته وإلاّ لتجهّم وجهه بدل الإشراقة التي لم تفارق مُحيّاه». لابدّ أنّي لم أحسم مسألة خروج الخميس من حياتي منذ الوهلة الأولى، رغم وقعها المُقرف الشّبيه برفع دلو فارغ ظنّا أنّه ثقيل، عشرات من هذا في الدّقيقة أو أفظع. على أي حال لم يعد جديدا عليّ أنّ كلّ شيء باتت تليق به عبارة واحدة: «ليس هذا!». لابدّ أنّ أسبوعين على الأقلّ قد نجحا في تضليلي بدعوى المُصافحة الّلعينة. دون شكّ لم أنتبه إلاّ بعد فوات الأوان. فمثل هذه الهزّات لا تحدث إلاّ عندما نبلغ سنّا نُسمّي فيها الحياة بقيّة العمر. بطيب خاطر نفعل.. هكذا تراءت لي الأشياء طواعية كأنّها تتبرّع لي بعلاج مجانيّ وأنا أتأكّد أسبوعا بعد آخر أنّي لم أعد أملك الخميس كبقيّة النّاس. يُفتَرض أنّي قلت كأنّي أندم بشدّة أو كأنّي أقرص مداركي:«تبّا! فيم يتسرّب الخميس؟». ثمّ يجدر بي في مناسبة أخرى أنّي قلتُ حانقا على طريقة الذين تمرّ بهم أوقات عصيبة جرّاء أناس طفيليين:«إنّها المرة الثانية على التوالي». حينذاك لم يكن هناك ما يدعو إلى القلق. كنت في سعة لأصرّح بأنّي أتعرّض إلى السّطو، أو أنّ ما يحدث معي ليس مجرّد غرض سقط من سيّارة أو شخصيّة تظهر للمرة الثانية في رواية كنّا نسينا كلّيا ما يتعلّق بها. أو أصدقاء كشعر الرّأس يسقطون تباعا لكثرة مشاغلي.
    لم تكن البتّة مجرّد تهيّؤات مخبولة. حقيقة لم أعد أجد يومي. وهكذا تمرّ الأيّام طبيعيّة من الأحد إلى الأربعاء. حتّى إذا جاء الخميس موعد اجتماعنا الأسبوعيّ ضاعت بوصلتي وارتبك التقويم لديّ و رفسته الأيّام. في الغد أسأل سكرتيرة المدير ما إذا كان الاجتماع قد بدأ، فتجيب دائما: «ما بك شادي؟ اليوم هو الجمعة. أم تريد منّا أن نجتمع كلّ يوم».
    أين الخميس؟
    جُمُعتهم التي يُفترض أنّها خميسي أفَاجَأُ بالحانات مُغلقة صمّاء كمقبرة أو مُستودع حجز. أشعر بأسياخ تخترق دماغي لا لأنّي لن أتحوّل عشيّتها إلى كائن يُعجبني، بل لأنّي لم أكن متهيّئا لخيبة في ذلك الحجم. السّبت هو الجمعة بالنّسبة إليّ لذا لا تراودني الرّغبة في شرب البيرة. لقد تربّت على ذلك كلّ خليّة في جسمي على نحو ما كأنّ صوتا بوقر سحريّ يصدح في داخلي:«إنّه ليس اليوم المثاليّ لهبوب نسمات لطيفة في الرّأس». يوم الأحد أستيقظ من تخلّفي لأنّ معظم النّاس يلبسون بدلات رياضيّة مُشمّرة تظهر الحذاء الأبيض مُستسلمين للكسل كقردة. لا أتوه عنه أبدا حتّى لو شُلّ عقلي. معمل كآبة. نحن موظّفون عنده، رغم ذلك نسمّيه يوم راحتنا. ليس ثمّة أمر مُكلف أكثر من أن تشتغل لحساب الرّاحة. يا للسّخرية! إلاّ أنّ نقمتي عليه قد تقلّصت. في النّهاية هو الذي يمنحني فرصة متجدّدة لألحق بركب اليوميّين فأجد نفسي مثلهم على خط البداية الصّائبة. عندئذ غالبا ما أنسى بشيء من العاطفيّة أنّي خلّفتُ ورائي أسبوعا مُشوّشا خاليا من الخميس. طوال الأيّام الأربعة الأولى أنغمس في مراجعة الفواتير. رويدا لمّا أضحى ثابتا بأنّي عند كلّ منتصف أسبوع أتقهقر إلى الوراء يوما، فترت همّتي مع الأرقام وصرت أعولّ على الحدس فيما يتعلّق بالجداول. فأكتفي بفحص المبالغ بصورة روحانيّة سخيفة تعني فقط أنّي أهدّدها بتحرّ بالآلة الحاسبة لا يُبقي ولا يذر إن هي لم تعترف وتكشف لي عن أخطائها المحتملة بنفسها. بعضها فيما ندر كان يُسلّم نفسه. نتيجة لذلك تفاقمت زلاّتي وبتُّ أسمع التوبيخ والوعيد من رئيس القسم وحتّى التّهديد بالعزل. أمّا بقيّة الزّملاء فقد راقهم في البداية أنّي متخلّف عنهم مُعلّقين بعبارات تهكّم لا تخلو من شفقة أحيانا، ثمّ بعد ذلك أذعنوا حتّى أصبحتُ دون حاجة إلى التخيّل أمشي بينهم وسط جوّ ثقيل مشحون بالكلام المكتوم كما لو أنّ بقعة زيت تلوّث معطفي من الخلف، أو كأنّ خصلة شعر مَضحكة تنتصب نافرة أعلى رأسي. بعضهم فكّرتُ أنّهم يخافونني فقد صرت على الأرجح أبدو في نظرهم عبوّة أذى يلفّها الغموض من كلّ جانب. استمرّ الحال كذلك دهرا قبل أن يطلبني المدير خارج الاجتماع. أبلغتني السّكرتيرة أنّ موعدي هو السّبت. قمت بكلّ ما في استطاعتي لأظلّ يقظا أعدّ السّاعات التي تفصلني عن الموعد لكنّي في الأخير أخلفته ظنّا منّي أنّ الجمعة. بعد أيّام تلقّيت منه مُذكّرة تجرّدني من مهامّي محتسبًا. لاحقا علمت أنّه عهد بها إلى رئيس القسم الذي لم يعد يطيق رؤيتي حتّى من بعيد. ليقتصر دوري دون تغيير يُذكر على حضور الاجتماع وتحرير تقريره الختاميّ. يدرك جيّدا ألاّ أحد في وسعه إنجاز المهمّة أفضل منّي، فأنا الوحيد الذي يفهم جيّدا بل أكثر منه مدى تعلّقه بذكر توصيات الانضباط عند كلّ نقطة نطؤها، بالإضافة إلى طريقتي الفريدة في القيام بالـ«ريتوش» اللاّزم لنبدو كما لو أنّنا تطرّقنا إلى مواضيع غاية في الجديّة وأنّ نيّة المدير كانت دفع الحوار إلى أقصى ما يمكن أن تسمح به طاقة البشر على إبادة فريقه في العمل، وأنّ ما أثاره ساعتها ثورة بمعنى الكلمة وفي منتهى الحرفيّة وكلّ الّلغو الذي يتبع. مع أنّ كلامه في الواقع لا يعدو أن يكون قرع علب صفيح وأقواسا تتناسل كالبكتيريا. لم أعد أصغي إليه أبدا بعدما اكتشفت أنّ ذلك يعود بمنفعة أكبر على التّقرير. قبل سنين خلت كان حديثه يصيبني بتشنّج في رقبتي وخاصرتي وآلام مبرّحة في الخصيتين. كنت على امتداد أربع ساعات كمن يحاول الأكل بملعقة مقبضها عبارة عن خيط. أثّر ذلك سلبا على جودة التّقرير بصورة يصعب تفاديها. لم يكن يخطر لي أنّ في استطاعتي عدم الاستماع إليه لو أردت.
    بياطرة دائرتنا ومهندسوها لا يعيرونه بالا. أحيانا كانوا يهينونه على مسمع منّا جميعا.  بذريعة العمل الميدانيّ، يعلّقون المناجل يوم الثّلاثاء كما يُقال. لا أحد يجد لهم أثرا. لا أدري متى وكيف يتمّ الاتّفاق على أشياء كهذه. ربّما في اليوم الذي ينقصني. ربّما على طريقة حبوب الّلقاح، بعلوّية وصمت قاتلين. تبّا لو رأيتِهم يا أمّي كيف يلوّحون لنا بأيديهم عشيّة الثّلاثاء مُغادرين الدّائرة كأنّهم في مدرج طائرة. ما أجمل تخطّي البوّابة أمّاه. طالما تمنّيت أن يصرخ فيهم أيّ كان:«عودوا أيّها السقّاط!». ثمّ كأنّ العالم مغلوب على أمره يمضي الأسبوع بائسا رتيبا في تحاشي هذا لأنّه يطمع في الاستحواذ على مكتبي بقوّة التذمّر الجبّارة. وتلك لأنّ ضحكتها تجعلني أشعر أنّنا أطفال في المدرسة وأنّها طرحتني أرضا وتفتكّ حلواي تنزل بنطلوني في السّاحة أمام الجميع. وتجنّب ذاك لأنّه لا يعي بوجوده أكاد أجزم، وتلك لأنّ ضحكتها تشبه ضحكة رجل يقلّد ضحكة امرأة، والهوائيّ الآخر لأنّ شيئا في العالم لا يزعجه. يوم الأربعاء لا أغادر مكتبي مع ذلك لا يجدونني. يوم الخميس نجتمع صباحا ثمّ أفقده.
    خسرتُ الكثير من الفرص الرّائعة بسبب الخميس الّلعين. حسنا لنقل إنّ ذلك كان مُقدّرا وأنّي ما كنت لأحقّق أمنية لو قُدّر لها أن تضيع. أتفهّم جيّدا. لكن من يُقنع عرق جبيني بألاّ يتصبّب باردا مع كلّ واقعة مهينة أتعرّض إليها؟ كيف أنسى نظرات الازدراء التي لعقني بها حارس الدّائرة لعقا لدى التحاقي بالعمل يوم عيد الجمهوريّة. لم يُصدّق أنّي أخطأت عدّ الأيّام لمّا صارحته، ثمّ لم يُصدّق فيما بعد أنّي أمزح. لكنّ ذلك لا يُساوي شيئا مُقارنة بدخولي الحمّام العموميّ يوم السّبت ظنّا منّي أنّه الجمعة. النّساء اللّائي تطلّعن في عينيّ بذهول لا يمكن أن يكون بشريّا، صرتُ زيادة على خجلي الذي لم يتبدّد، أصادفهنّ يوميّا على غير العادة. عندها بشكل حاسم قرّرتُ إنهاء المهزلة. الذي يُحكى فقط دون سواه هو أنّي اقتنيتُ علبة أقراص لمنع الحمل لأنّ عليها أيّام الأسبوع. ظننتُ أنّي بهذا الشّكل وأنا أتناول حبّة كلّ مساء سأتمكّن من مواكبة الزّمن بشكل طبيعيّ. تناولتُ حبّة يوم الأربعاء. ثمّ عدلتُ عن المواصلة فقد خطر لي أنّ البداية الأنسب هي الإثنين. لكن لدى وصلي إلى الإربعاء وجدت مكان الحبّة شاغرا فحسبته الخميس. يوم الاجتماع. موعدي مع الإبداع. جهّزتُ ما يلزم. دخلتُ القاعة. أحسستُ كأنّي أقتحم بيتا. كان مجرّد إحساس عابر، لم يتأكّد مصدره إلاّ عندما ألفيتني وحدي بقيّة الوقت. أمضيت ساعتين متظاهرا بأنّي أستغلّ رحابة الطّاولة كي أنشر  وثائقي وأرتّبها. لم يشكّ أحد في سلامة عقلي. كان بين أوراقي تقرير الأسبوع المنقضي. لفت انتباهي عفويّا التّاريخ المُسجّل في الأعلى. بأمر من المُدير يتحتّم عليّ أن أكذب حتّى في هذه. أن أصوغ نصّ التّقرير كما لو أنّنا اجتمعنا الأربعاء. فالسّادة البياطرة والمهندسون لا يحضرون اجتماع الخميس. نحن بارعون في تزوير الحقيقة حتّى لا يُشتبه في مصداقيّتها. سيوقّعون لا حالة عندما يشرّفوننا الإثنين. ليسوا سيّئين فهم يوقّعون دون أن يقرؤوا حرفا. الكلّ يكره الكلّ هنا. وموكول إلى تحفتي أن ترشّ العطر على عفونتنا. كم أحبّ عملي. «ما لينا بهم»! المُهمّ هو أنّي عثرتُ على الثّقب الذي يتسرّب منه خميسي. لم أتصوّر أنّي أخشع بهذا الشّكل المُذلّ أثناء كتابتي التّقرير. إنّما ولأنّي أكرهها فقد كلّفتُ الشابّة التي تفتكّ منّي حلواي حين تضحك بمساعدتي. استأهلت.
    اليوم هو الجمعة. الجمعة الحقيقيّ كالذي في كلّ مكان. لقد استعدت الخميس أخيرا. لا يمكنني الجزم فيما إذا كان الفضل يعود إلى أقراص منع الحمل أم لا لأنّي في النّهاية لا أملك دليلا على العكس. إلاّ أنّي على يقين من أنّ مكوثي ساعتين في قاعة الاجتماعات المُتجمّدة هو الذي جعلني أفهم ما يتعيّن عليّ القيام به إذا أردت استرداد يومي والذي يليه: ألاّ أكتب التّاريخ بنفسي.