• الرئيسيّة

  • ‏إظهار الرسائل ذات التسميات القصّة القصيرة. إظهار كافة الرسائل
    ‏إظهار الرسائل ذات التسميات القصّة القصيرة. إظهار كافة الرسائل

    الثلاثاء، 11 ماي 2021

    البنّاء / مجلة البحرين الثقافية العدد 104 لشهر أفريل 2021

     




    البَنَّاء

     

        بدا كأنّ الحشد، بين مُغادر ووافد، لم يبرح، طيلة النّهار، مُحيط ڥيلاّ أحد أثرياء المدينة المُقيمين في فرنسا. كان من الصّعب تخمين ما يجول في أذهان النّاس صباح ذلك اليوم الخريفي الكئيب. لم يسبق لأحد أن رأى ما يُشبه ذلك من قبل. كانت دون ريب تحفة فنّية تحبس الأنفاس. ثمّة من اقترف هذا الجمال في غفلة من الجميع. لكن كيف تسنّى لهم أن يفعلوا دون أن يتفطّن إليهم عمّال محطّة الوقود المجاورة ودون أن يسمع صاحب البيت أصوات المطارق والأزاميل وهي تهوي على جدار السّور بذلك العنف؟ يعلم الجميع أنّ الڥيلا كانت مُجهّزة بكاميرات مراقبة بالإضافة إلى أنّ كلابا مُدرّبة كانت تجوب الحديقة بحُرّية. على طول السّور المواجه لشارع كبير رُسمت صورة لامرأة تستعدّ لاحتضان طفل يتعثّر في خطواته الأولى. أُنجِزَت اللوحة بواسطة ثقوب وأخاديد عميقة في الجدار. امتزج الشّعور بالحيرة والانبهار في البداية. كان لغزا مُحكم الإغلاق جعل كلَّ محاولة لاختراقه شبيهة بالقفز في الفراغ. ثمّ سرعان ما تحوّل الذّهول إلى حلقات نقاش صاخبة غلب عليها التنافس في تقديم التّفاسير على نحو يوحي بأنّها ساحة جريمة. لكن خلال الأيّام التالية وقف البعض أمام الرّسم كأنّهم يشاهدون قطارا مقلوبا أو أثر صاعقة. راج الحديث في المقاهي والمكاتب والصّحافة عن الرّسم. تعدّدت الآراء واختلط الواقعي البائس بالخيالي الحالم. لاحت الصّورة مهيبة وضاحكة، مُتحدّية الأبصار المُعجَبَة بها والحاقدة على غرورها في آن. وانقسم الناس بين مؤيّد لفكرة كائنات فضائيّة خارقة وبين مُكذّبين لنفي صاحب البيت علمه بما حصل. قرّر آخرون أنّ صنع مئات الثّقوب في جدار مقابل لأكثر شوارع المدينة حركةً، مع مراعاة جانب الفنّ، دون شكّ عملُ شياطين. ورجّح بعضُ المتعقّلين أنّ الحُفَرَ كانت نتيجة وابل من الرّصاص المكتوم. غير أنّ كلَّ من سمع ذلك ضحك ساخرا. وفيما اهتدى فريق إلى أنّه سحر، توقّع آخرون حدوث كارثة عمّا قريب.

      بعد أسابيع لم تتقدّم فيها الأبحاث الأمنيّة خطوة واحدة عدا الاستماع إلى الشّهادات ومتابعة ما سجّلته كاميرات المراقبة المنتشرة في المكان دون جدوى، استفاق سكّان مدينة مجاورة على لوحة رُسمت أيضا بالمطرقة والإزميل على الواجهة الجانبيّة لأحد الفنادق الصّغيرة، تظهر فيها امرأة نصف مُمَدّدة على سرير. لكنّ القضيّة لم تتحوّل إلى شأن وطني إلاّ عندما تكرّرت الظّاهرة في العاصمة حيثُ ازدحم النّاسُ لرؤية الشابّ المرسوم بتقنية الثّقوب والأخاديد على جدار أحد معاهد الموسيقى الرّاقية، والذي كان يبدو فيها ماسكا بقضبان بوّابة ضخمة. عندها وكما لو كان الحدث قد رُصِد للمرّة الأولى تشكّلت خليّة عدليّة للتحرّي واستعذَبَ الناسُ فكرة أنّ كائنات فضائيّة تحوم في سماء البلاد. فاتّجهت الأنظار نحو السّماء وضُرِبَت الخيام في الغابات وقرب التلال لمباغتة الغزاة الخارقين، وانتشر كمّ هائل من فيديوهات لجثث غريبة وأطباق طائرة سجّلت حضورها في الجهات هنا وهناك، قبل أن تختفي كالبرق. انتشرت تجارة النّيازك رغم أنّه لا أحد سمع كلمة إعجاب بحجارته المُحمَرّة الدّاكنة. تضاعف سعرُ الماء والتّبغ. سمع محلّلون نفسيّون مُحتَرَمون شتائم مهينة لأنّ كلامهم كان باعثا على الغثيان. وهُيّئت في الفضائيّات كراسِيُّ قارّة للفلكيّين. أُعفِيَ منتحلو صفة المنجّمين ذوي السّمعة الجيّدة في البلاد من دفع الغرامة ودخول السّجن لحداثة سنّهم، ونزل آلاف إلى الشّوارع مُطالبين بحقّهم في الإغلاق على أنفسهم خلف أسوار الأديِرة. سالت دماءٌ على الرّصيف من أجل ذلك وأُسنِدَت رخصٌ مُعَقَّدة تنظّمُ حياة العزلة.

      جُمعت القرائن ودُوّنت التّقارير وعُقدت اجتماعات سرّية في مقرّ القيادة العليا لسلامة أمن الدّولة، لتُفضي أشغال التقصّي إلى عرض مُصوّر قدّمه رئيس الخليّة:

    «لنُعد تركيب القطع المتناثرة:

    علمنا أنّ هذه الجدران الثّلاثة تنتمي إلى بنايات كان أصحابها غائبين أثناء عمليّة تشييدها. وبالتعمّق أكثر في البحث توصّلنا إلى أنّ بنّاءً واحدا اسمُه (شوقي الصّافي) المُكنّى بـــ "القلم" قام بتلبيس الجدران من الدّاخل والخارج.»

      أُلقِيَ القبْضُ على شوقي الصّافي المُختبئ في شقّة صغيرة، ليلة قبل تسلّله عبر الحدود الشرقيّة. في أقبية التّحقيق اعترف بأنّه كان وراء أعمال التّخريب كما كان المُحقّقون يُطلقون عليها، والتي فضّل المُتضرّرون الاحتفاظ بها.

    - ما عملك؟ قال الضّابط.

    - بنّاء.

    - هل لديك شهادة من أيّ نوع؟

    - انقطعتُ عن مرحلتي الجامعيّة قبل سنة من التخرّج للعناية بأمّي المريضة.

    - كيف فعلتها؟

    - لديَّ دراية بالكيمياء، ولأنّي لم أحصل على شهادتي فقد قرّرتُ صنع شيء أتوهّم من خلاله أنّني إنسانٌ مهمّ. بعد تجارب دامت سنواتٍ طويلةً، توصّلتُ إلى تركيبة قادرة على تفتيت الخرسانة بعد مرور سنة أو سنتين. كنتُ أرسم لوحاتي بوضع نقاط بإصبعي من مادّتي على الآجرّ قبل تلبيس الجدران بالإسمنت.. حسنًا، يبدو أنّ المادّة قامت بشغل جيّد ما دمتُ هنا الآن.

    روى السّائق الذي أقلّ البنّاء إلى مكان مجهول معصوبَ العَيْنَيْن ومُغطّى بالكدمات، أنّه أحدث سحابة بخار على زجاج السيّارة ثمّ رسم نقطة في وسطها.

    لن ينسى رئيس الخليّة العدليّة ابتسامة الـــ«قلم» الهادئة ونظراته الجليديّة، والمكالمة الأخطر التي تلقّاها في مسيرته:

    «طبّق الإجراء (ج) أيّها اللّواء. لا نُريدُ مشاكل قد تُعكّر الصّفوَ العَامّ.. حرامٌ أن يسقط شعبٌ بأسره من النّجوم».

    ***

     

     

    محمد فطومي

    تونس


    الجمعة، 30 أفريل 2021

    الجسر / قصّة قصيرة على صفحات مجلّة الحياة الثقافيّة / تاريخ 29/04/2021


    الجسر

     

     

        أمعنت النّظر في القمر وهو يتوارى خلف غيمة وفكّرت كما لو أنّي أؤيّد الحماقة التي سكنتني وما انفكّت تكبر حولي و فِي داخلي، بأنّ:

    الجبناء الذين يتّخذون من أوسط الجسر منزلا كي يفوزوا بالضفّتين، تتبرّأ منهم الضّفتان.

    بردت أطرافي لحظة و تملّكني ذعر في معدتي، تخيّلت الذّعر عنكبوتا بنيّا مكسوّا بالشّعر.. وقرّرت كأنّي أخضع نفسي إلى العلاج: لا بأس، الأمر طبيعيّ.. نحن دائما هكذا لا نرتعد إلاّ أمام المسائل التي نكون فيها محقّين للغاية.

      ظلّ الخوف يمور  بداخلي. حاولت أن أرتخي عضليّا، لكنّ شعورا لاذعا بأنّي أكذب انتابني.. 

     حوّلت بصري عن السّماء فوقع بموجب العادة على بيت علوان أخي، لحظتها ارتطمتُ مرّة أخرى بقراري وتخيّلت مزيج الدّهشة والشّفقة اللتين كان سيحاول إخفاءهما عنّي لو أخبرته بما أنوي فعله، سيخبئ عينيه براحتيه، و سيفرك صدغيه ويغيّر الموضوع .. يقول أخي المزارع، علوان: فرس شبعان ومحراث جيّد  وتربة سوداء وكرامة، أشياء لا تجتمع حتّى لدى السّلطان..

     يختفي العنكبوت في معدتي من تلقاء نفسه. أحدّق في الخندق العميق الذي يمتدّ طويلا، شامتا ، حائلا دوننا  و دون المدينة. يستفزّني منذ صغري هذا الشّرخ المتأصّل في كلّ واحد من أبناء حيّي كدمغة محرجة على جبين مثقّف أفرط في الشّرب حتّى سقط،. أحيانا يتراءى لي أنّ غضبي بدأ قبل أن أولد.


       صديقي غَوّار هو الوحيد الذي أثق به وبإمكاني التّعويل عليه في المسائل المجنونة. سأذهب إليه وأجعله يستدرجني إلى الكلام. لا أجد نكهة في الحديث معه إن لم أرهق حدسه معي أوّلا. كان يكبرني بثلاث سنوات و قلبا آخر على اليمين. يحبّني. كان دائما يدافع عنّي ونحن صغارا. أذكر أنّه خاض خصومة مع أولاد تعرّضوا لي. كنت تلميذا بمئزرٍ أصفرَ قصيرِ الأكمامِ وكان هو مسّاح زجاج وأحذية في المفترقات. يومها خسِر حذاءه ولم يروِ لي ما حدث. ثمّ بعد ذلك صار  يدسّ في جيبي بعض النّقود، ويقول الجامعة ليست جزيرة قرود! ستحتاج إلى هذا الكنز الصّغير.

    وجدته في المقهى، لم يكن يلعب النّرد كما توقّعت، كان ينقّط و يشطب ورقة رهان لأوّل مرّة.. سألته:

    - ماذا تفعل؟

    أجاب:

    - يوم يطرق الحظّ بابي، يجب أن أفتح له وفي يدي ورقة قمار.. عيب كبير أن أدعه يهب لي نفسه مجانا.. لديّ إحساس بأنّه سيطرق بابي عمّا قريب.

      كان حيّنا خليَّةَ عمّال زرق و خادمات بيوت و رضّع.. أماكن كهذه تفهم أنّ عليها الابتعاد عن المجال الفوتوغرافي لسائح جاء يتعجّب ويتلذّذ وحسب. مع ذلك أحسّ تجاهه بعاطفة لا أجد لها وصفا يناسبها أبلغ من الاستمرار في حبّ وشاح أمّي حتّى لو خنقوني به ألف مرّة..

      وإنّ الطّارق الغريب ليطرق باب الصّفيح في حيّنا بحثا عن الخمر أيّام الجمعة والأعياد، فتفتح له فتاة في السّادسة من العمر، جميلة كأغنية يسألها عن والدها أو أخيها الأكبر فلا تجيب، وتُحضر له طلبه في كيس أسود تحكم القبض عليه بكلتا يديها. يسألها ما اسمك يا صغيرة؛ تكره التشبّه ببنات الجدائل و الأراجيح، ترشقه بنظرة هرّ مسنّ وتجيبه: حوريّة. فيتلقّى إجابتها كشتيمة.. قال لي غوّار مرّة: «الدّنيا على حقيقتها هي دنّ الماء المتّسخ بأثر الأيادي، ذو الغطاء المربوط بخيط إلى العنق، القابع تحت كرسيّ القيادة لجرّار قديم».

       مازالَ حيّنا كالعار الأكثر خزيا من أن يُطرد الواحد فينا من بيته بماسورة بندقيّة فارغة دفعا من الخلف..

       وحين يمرّ بك أبوك الذي يدّخرك لتتعلم صنعة بصحبة عمّك ويلفيانك مستندا إلى جدار مائل تراقب الصّبية  وهم في طريقهم إلى أقرب مدرسة بالمدينة، يخلّفونها على يمينهم ويتّخذون مسلكا يحيد بهم عن الخندق كي يصلوا إليها وهم يتعثّرون في أنياب الصّخور والشّوك المتحفّز للدغهم في أيّة لحظة، ويتعجّب عمّك: حسين .. الفتى بدأ يكبر، لا تحرمه من الدّراسة.. إنّه راغب.. أقرأ ذلك في عينيه.. أنا أسجّله و أنفق عليه..

    و يداعب رأسك بحنوّ: بنيّ تريد أن تدرس..؟ 

    و لمّا تكبر و تصبح أستاذا بمعهد خاصّ لقبا دون راتب يؤدّي أربع ساعات متباعدة في الأسبوع، فيتفاقم فقرك أكثر. فإنّك حتما ستمرض بقنطرة بحجم عجزك.

       إنّ إهمالهم للمطالب المتكرّرة و للشّكاوى التي أمطرنا بها جميع المصالح من أجل أن يبنوا بيننا وبين المدينة قنطرة، لا يشي سوى بأنّهم يتعمّدون إبقاءنا خارج العمارة والتّقويم.

      

        خائف لكنّني حسمت أمري.. سأبيع كلية وأبسط بثمنها جسرا صغيرا للمشاة يربطنا بالمدينة. غدا أتفاوض مع محي الدين حارس مقبرة اليهود بشأن الكِلْيَة وليكن ما يكون.. في النّهاية واحدة تكفي.. وفرس شبعان ومحراث جيّد  و تربة سوداء وكرامة أشياء لا تلتقي حتّى لدى السّلطان.

       كان غوّار سيمنعني قطعا لو أخبرته، لذلك فضّلت أن أبيعها أوّلا وحين أحصل على المبلغ أضعه بين يديه وأقول له أيّ كلام يخطر ببالي وقتها، قبل أن أكلّفه بمدّ المعبر ورفع الحواجز الحديديّة على الحوافّ.. لن يمانع.

    أجريت الفحص اللاّزم وكان عليّ أن أنتظر أكثر من شهر . وقّعت لمحيي الدين على ورقة؛ وحذّرني قائلا: «يوم العمليّة أريدك أن تجهز باكرا. لا تجعلنا ننتظر. أريد رجلا إذا وعد بقتلي في الغد، لا يكتفي في الغد بصفعي..»

    بعد أكثر من شهر عَثِر لي على حريف وأجريت العمليّة.

    قبضت نصيبي من الصّفقة وأوهمت الجميع بأنّي قمت بعمليّة على قرحة المعدة.

    كان مبلغا لا بأس به، بل أظنّه كافيا لأغيّر أيضا محفظتي المهترئة وموقد أمّي وبعض الأثاث..

      لكن لمّا انتزعوا كليتي وقبضتُ المبلغ، راودني شعور بأنّي ذيل سحلية يستمرّ في التّمويه بعد موت السحلية. الحقيقة الوحيدة هي الدنّ المعفّر بالعمّال والقيظ. والعاطفة التي لا تنفكّ تقرّر نيابة عنّي منذ ولدت سخيفة وبلهاء للغاية. ندمت رغم  كلّ الأشياء التي  قضيت عمري مسكونا بها، ندمت.

    أنا في الأخير كأهلي وجيراني؛ لستَ تتوقّع ما الذي يمكن أن نسطو عليه أو نرتكبه أو نبيعه لنثبت براءة آخرين لمجرّد أنّهم آخرون، ثمّ بعد ذلك نستفيق فنكتشف أنّنا مجرّد نعاج مريضة..

     مررت بغوّار ابتعدنا.. قبل أن نصل إلى تلّة «هيجات»،اشترينا الشّراب. كانت فكرة غوّار، قال بأنّه يدعوني إلى الاحتفال بالمولود الجديد.

    وانقَضتْ ساعة كنّا فيها نشرب ونتحدّث عن الشّراب. بدا لي حالنا كشيوخ حيّنا عندما يتحلّقون حول النّار للحديث عن الماء.

      فوق تلةّ «هيجات» المنسيّة حيث نجلس، كانت هناك كرمة يتيمة. يُروى أنّ تحت التلّة جرّة ألماس.. نحن هنا نولد فيقصّون علينا حكايتها. فشل الشّيخ الهادي في استعطاف الجِنّي حارس الكنز. خذل عفريت الكرمةِ الشّيخَ الهادي أكثر من مرّة أمام رُتَبٍ كبيرة في الدّولة..

    قالها علنا وبمرارة:

    «- عفريت «هيجات» الكلب.. لقد قدّمت له أفضل بخور في العالم ولم يفتح.. الكلب! إنّه يخجلني أمام الشّخصيّات..»

       في لحظة صارحت غوّار بكلّ شيء.. لم يقل شيئا. لم يبدُ عليه أنّه فوجىء.. فغوّار الذي عرفته يقدّر أن يكون للبؤس ألوانا غير الجوع والحفاء. لكنّه بكى وغنّى بصوت خافت.

    ثمّ ضحك وقال:

    الشّيخ الهادي غبيّ؛ لو قدّم للعفريت الشّراب لفتح له جميع المخازن..

      

       عارض الشّيوخ بناء القنطرة وقالوا إنّ النّائب سيغضب.. تجاهلهم غوّار وهدّدهم بالقتل وشيّدها..

     بعدها التحق غوّار بالعمل في حظيرة بناء ضخمة بالمدينة. كنت ألتقي به كلّما مررت من هناك.

    كنّا نشرب الشّاي في استراحة العمّال، ثمّ أمضي. منذ أصبح الجسرُ جاهزا صار غوّار يحتضنني في كلّ لقاء، وكلّما هممت بالانصراف قرأت في عينيه شعورا بالوحدة ولحظة يستقِرُّ غضب ثائر دلّ على مكانه صديق طفولة.

    - أضف السُكَّرَ لو أردت.. الشاي المرّ لا يلائم وضعك الجديد.

    - غوّار أنت متعب..

    - دعك منّي.. هناك أمر يحيّرني ولا أجد له حلاّ..

    اسمع.. بالله عليك؛ نذل كالشّيخ النوِّي؛ لو أتيح له أن يبيع البلاد مقابل نسبة، هل كان سيتردّد؟

    - طبعا لا.

    فقال:

    - إذًا لِمَ لا يشنق بتهمة الخيانة العظمى؟ كلّنا نشهد ضدّه.. أنا و أنت على الأقل..

    ضحك عاليا، وأضاف وهو ينفث دخان سيجارته بعيدا عن وجهي:

    - ها أنذا على سبيل المثال، على استعداد لأعترف بكلّ الجُنحِ التي لم أتورّط فيها بعد، لسبب بسيط، هو أنّ الفرصة لم تُتُحْ لي لأقترفها لا غير..

    بعد أسبوعين سقط غوّار من الطّابق الرّابع للبناية التي يعمل فيها ومات.

    أقدّر بدوري أنّ عليه أن يفهم قبلي كلّ شيء.

    توقّفت السيّارة التي تقلّه أمام خندق الطّين الشّامت وعادت أدراجها، وعبرنا به القنطرة مترجّلين نحو الحيّ لدفنه هناك. في المقبرة وقف الشّيخ النوّي على قبره طويلا يدعو له بالمغفرة بنبرة من يطلب المستحيل.. ثمّ بعدها انتهى غوّار رفيقي.

     

       بعد أيّام من الدّفن، زارتنا البشرة النّاعمة البيضاء والشّحم والذّقون المطّاطيّة الخضراء. قدّموا أغطية وأكياس دقيق مقابل صور تذكاريّة للعجّز أمام الصّناديق وعلى وجوههم ملامح الرّضا والبهجة مستسلمين تماما كما لا يجب أن يتقاعس الحمام الأبيض في الطّيران فورا وصوب الأعلى كي يُوَثّق بعض الطّلبة الحالمين نداءً للسّلام أمام عيون العالم.. حاول الشّيخ النوّي استدراجي بودّ للحديث عن الانتخابات:

    - اطّلعت طبعا على القائمة؟ سألني وعلى وجهه تكشيرة ضبع ميّت.

    - اطّلعت عليها ولكنّي لن أصوّت لأحد.. لأنّ الوحيد الذي يصلح نائبا علينا لم يترشّح للانتخابات.

    - من تقصد ؟

    قلتُ :

    - عفريت «هيجات»!

    ***

     

    محمد فطومي

    تونس

     


    السبت، 17 أفريل 2021

     


    رسمُ الهمزة

     

         عاد إلى بيتِه خائر القُوى بعد يوم عملٍ شاق توجّب عليه فيه لقاء أناسٍ يحتجّون على الدّوام ضدَّ كلِّ شيء تقريبا، كما كان عليه ملأ استمارات بدا له عدد خاناتها غير معقول. لم يُزعِجه ذلك أكثر من اضطراره إلى كتابة الأجوبة داخل سيّارة لا تكُفُّ عن الاهتزاز في طُرقات ريفيّة مُزرية، لا سيّما أنّه كان من فئة البشر المولَعين بالنّظام، فعدا عن كونِه يكرَه التخاطُب باللهجة العاميّة في تراسُلِه الخطّي أو الرّقمي، فقد كان مهووسا بتفادي أخطاء الرّسم وتصريف الأفعال كأنّهُ يُمتَحَن.

         سيطر عليه إحساسٌ بالهزيمة وهو يعبُر الرّدهة مُتّجها نحو مكتبه المنزلي الصّغير ليتخفّف من أشيائه الصّغيرة التي باتت الآن تُشكّل دليلا على ضياعِه. شعُر كأنّه أمضى الساعات الثمانية الماضية في ارتكاب الشرِّ. غيَّرَ ملابِسَه، لكن ولأنّ الوقتَ لم يكن قد تجاوَز الخامسة مساءً من أيّام شهر ماي، فقد قرّر إرجاء صلاة يوم بأكمله حتّى يحين موعد صلاة العشاء حتّى لا يُضطَرَّ إلى تكرار الوضوء، مُتطلِّعا إلى لحظات هدوء خالية من أيِّ واجب أرضي أو سماوي، يلتقي فيها بنفسه المُهمَلَة ليكتُب ردودا على ما ورده من تعاليق خاصّة بمنشورِه الصباحي، ثمَّ كي يُشارك العالم -كما كان يتوهّم- بعضا من خواطِرِه الخالية من الأخطاء. إلاّ أنّه كان يتعذّبُ بسبب لوحة مفاتيح اللغة العربيّة في هاتفه الجوّال، إذ لم تكن مُجهّزة بالهمزة المرسومة على الياء، ما جعلَهُ مُضطرّا إلى استدعاء كلمة «رائعة» التي تفطّن إلى أنّ هاتفه كان يُسعِفُه بها حالما يلمس حرف الرّاء. عندها يبقى أن يستبدل أحرفا بأخرى مُحافظا على همزتِه، فعلى سبيل المثال يحدُث أن يكتُب (ما زلتُ رائعة..) قبل تحويلِها إلى (ما زلتُ حائرا)، أو أن يكتُبَ (كافّة رائعة..) ثمَّ يُعدّل الكلمة لتصبح (كافّة العائلة). هكذا كان في كلّ مرّة يجدُ نفسَه مُجبَرا على تفتيت كلمة «رائعة» حتّى لا يقعَ في فداحة استخدامٍ مُخزٍ للهمزة.

          تحقَّق حُلُمُه المسائي الصّغير لكن ليس من دون تضحيات. فقد اضطُرَّ إلى تلقين ابنه درسَ القراءة ومدح خال زوجته لكي تتركه في سلام. فتح حسابَهُ الافتراضيّ وراح يكتُب الرّدود وينثُر جُملا طويلة لم يُترَك فيها رسمُ الهمزة للصّدفة رغم الجهود المُضنية التي كان عليه القيام بها جرّاء الحرف المفقود.

        دبّ إليه الملل وضاقَ صدرُه بمُطاردة الهمزة على ذلك النّحو الرّتيب، في تلك اللّحظة تلقّى رسالة من إحدى زميلاته في العمل. كان يُكنُّ لها ضغينة عميقة لأنّ لها مِشيَةً فاتنة ووجها جميلا. كانت تُبالِغُ في إثارة الإعجاب من حولها مُعَدّدة مناقب زوجها وبطولاته الخارقة، ولم تكن فوق ذلك كُلِّه تُبادر أحدا بالكلام. كان على يقين أنّها تتعمّدُ إغواء الرّجال لتُساوي بينهم كأعواد الثّقاب قبل أن تحرق رؤوسهم جميعا. كان سبيلُه الوحيد لينجو من سُخريتها القاتلة هو أن يزدريها. اتَّضح أنّ الرّسالة كانت بيانا نقابيّا جافّا يدعو إلى إضراب عن العمل. لم تُضف المرأة على البيان حرفا واحِدا. استشاط غيظا مكتوما وعزم على أن يكتُب لها «أنتِ دائما هكذا، لا شُغلَ لك سوى مُحاربة الشّغل». ضغط بإصبعه المُنهَك الذي لم يعد يتحمَّلُ المزيد من العراقيل على أولى أحرف جملته وكان عليه ليكتُب كلمة «دائما» أن يستدعِيَ كلمة «رائعة» أوّلا، فَعَلَ غير مُتشكّك فيما عزم عليه. قرأ على شاشة هاتفه (أنت رائعة). تردّد لحظة ثمَّ بعث بالرّسالة قائلا في سرِّه: «لا بأس! هذه أيضا صحيحة».

    ***

    محمد فطومي

    تونس 06/04/2021

     

     

    الأحد، 13 أوت 2017

    طلب عاجل /فؤاد حجازي


    تلفت حوله في حذر.. وقد راعته مهابة المبنى . تتصدر واجهته أعمدة حجرية ضخمة، متوجة بزهور لوتس، أضفت رقة ونعومة على الحجر .
    وقبل أن يخطو، لمح عربة أجرة تقف أمام الباب العريض، مؤطر بثمانية مفتوحة الساقين على اتساع الباب، وتمس قمتها بداية الدور الثاني، المنساب في زرقة سماء، تسبح فيها على مهل رقائق بيضاء، تشف حيناً، وتتكاثف حيناً
    انزوي خلف شجرة من الأشجار المتناثرة حول المبنى، بينها حشائش يانعة الاخضرار، خففت من جهامة جذوعها العتيقة المشققة اللحاء .
    دُهش حين رأى المرأة التي تغادر العربة، وتساءل .. ما الذي أتى بانشراح إلى هنا .. ؟! أم تراها امرأة تشبهها ..؟!
    عاود النظر في الوقت الذي أولته فيه ظهرها، ترتقي درجات السلم العريضة المؤدية إلى الباب . لا .. لا يمكن أن تكون انشراح .. فهو لم يرها إلا مبتسمة، أو مداعبة للأطفال الذين يحملون لها البازلاء والفول الحراتي، لتفصيصهما، والقلقاس لتقشيره، والكرنب لسلقه وإعداده للحشو .
    وقفت عند كشك على يمين الباب، ومال رأسها إلى جنب، فتأرجح قرط معدني، تأكسدت حواف هلاله، وزخرفة في وسطه ببني داكن. تأكدت له هويتها فكثيراً ما رآها ملوحة به متباهية وهي تتبادل عبارات المجاملة مع الأمهات العائدات من أعمالهن، لأخذ ما جهزته. وحين شكرها ذات مرة لتعبها في إعداد كرنبة، طلبت العفو .. فلا تعب هناك، وصرحت له ضاحكة، أنها اشترت ماشة رص حجر الشيشة، واستخدمتها في التقاط أوراق الكرنب من الماء المغلي، وقد أدى غرض ملقط الهوانم الذي تراه في برامج الطبخ في التليفزيون .
    هل ينصرف، حتى لا تراه هذه الأرملة التي لا تُبل في فمها فولة، فتهتز صورته الحازمة في بيته أمام زوجته وأولاده، وأمام مرءوسيه في مصنع الملابس الجاهزة، وربما تعرض للسخرية بتقَّول الناس عليه، أنه لم يكتف بما يصادفه في الدنيا حوله، ولجأ إلى "المبكاه" ليبكي مثل النساء. أم يهمل ما قد يقال، ويصغي لنصيحة طبيبه بضرورة دخول هذه الدار، حتى لا تتفاقم حالته، وقد جرب أدوية كثيرة دون فائدة. وحذره من التقاعس، فقد تعصاه أعضاء جسده، ويصاب بشلل نصفي في الوجه، أو تيبس في القدمين يتعذر معه المشي .
    خطا نحو الكشك، يدفعه فضول لمعرفة سبب حضور انشراح، وينحى بصعوبة هواجسه، فلم يسبق لأحد أن أخبر عما لاقاه في "المبكاه" وثمة شائعة متداولة أن الداخل مفقود .
    ناول المستخدم تقرير طبيبه، شمله بنظرة سريعة وقال :
    - قدمه في حجرة الأمناء .
    وجذب استمارة من ملف أمامه، ليملأ بياناتها، وتطلع إليه، فقال :
    - عطوان الزهيري
    - السن .
    - 54 عاماً .
    - هل سبق دخول "المبكاه" .. ؟
    - لا
    - انفلات أم تحجر .. ؟
    - تحجر .
    - الأمناء ثالث حجرة على يمينك .
    وجد في الحجرة عدة مكاتب، يجلس إليها الأمناء، فوقف حائراً. أشار له أحدهم، فلحظ أن مكتبه أعرض، وأوحى وقاره أنه كبيرهم .
    ناوله ما بيده، كرمش التقرير وألقاه في سلة المهملات. وإزاء نظرة عدم الفهم، قال كبير الأمناء في ضيق :
    - لسنا جهة علاجية، إننا نساعد الناس على استعادة مقدرتهم على البكاء العادي .
    وضغط زراً خلفه على الحائط، فحضر ساع ناوله الاستمارة وقال :
    - المشرف المناوب .
    سارا في البهو، حتى وصلا إلى حجرة، مكتوب على لافتة نحاسية معلقة على بابها "لمشرفون"
    وبها عدد من العاملين، وضع الساعي الاستمارة على مكتب أحدهم وانصرف .
    قرأ عطوان على واجهة مقلمة على مكتبه "نظمي البيلي"
    قرأ المدعو نظمي الاستمارة، واستكمل بعض البيانات عن عمله وتاريخ الحالة وطبيعتها، فأفاده أن رغبة في البكاء تلح عليه ، لكنه غير مستطيع .
    - تستريح قليلاً أم نبدأ الآن .. ؟
    ولما كان عطوان في شوق للخلاص، قال :
    - الآن
    نظر نظمي في ساعته وقال :
    - خير البر عاجله.. حانت نوبتي على أية حال .
    مشيا في البهو، لا تكاد قامة عطوان تحف بكتفه، واكتنفه خجل من بدلته، التي ظنها فخمة، فإذا هي لا شيء بالقياس إلى بدلة المشرف، رمادية اللون، صوفها انجليزي كما بدا له، بها أقلام بيضاء تفرق بينها مسافة إصبع .
    توقف أمام حجرة في أول البهو على اليسار، نصف بابها العلوي زجاجي غامق، وطلب من عطوان النظر .
    لم يكد يفعل حتى ارتد مضطرباً .
    ابتسم نظمي، ووشت عيناه الخضراوان بعدم مبالاته، وقال :
    - زجاج فيميه مركب بحيث تراها وهي لا تراك .
    استرد عطوان أنفاسه، وقد اطمأن لعدم رؤية انشراح له، ولحظ انحناءة في ظهر نظمي، وهو يمد يده ليحرك زراً في سماعة مستديرة أعلى الباب، وسمع انشراح تبكي وتقول :
    - فصصت فدادين، وقشرت فدادين.. وبنتي الكبيرة أخذت دبلوم تجارة، رفضت المحال التجارية تشغيلها، لأنها لا تعرف كتابة اسمها، ومنعت ابنتي الثانية عن المدرسة .
    وأجهشت في البكاء، فاختلط دمعها بكحل حول عينيها، ولطخ في تعرج وجنتيها في لون ورِقة قشر البطاطس .
    وكررت ما قالته، وعاودت البكاء، وهي تهز رأسها، فيهتز هلالاه. وانحسر منديل أبيض عن رأسها، فظهر مفرق شعرها المكشكش، وتعلق بشعرها الملموم خلف رأسها كشوشة كوز ذرة صغير .
    أشار نظمي لمجموعة من النزلاء، كانت في انتظاره، فتقدمت إلى الحجرة، تنحى عطوان جانباً، وقد تسللت إليه شفقة، وهو يرى جسمها بسيطاً في جلباب من كستور منقوش، بعد أن خلعت معطفاً من قماش خفيف أزرق متراخي النسيج لا يفارقها، وعاتب نفسه لظنه أن فشتها عائمة .
    سأله نظمي :
    - ها ..
    هز رأسه نفياً
    - ولا بادرة رغبة في البكاء .. ؟
    عاود هز رأسه بالنفي . وأراد أن يسأله عن سبب وجودها في "المبكاه" وهي تستطيع البكاء في الخارج كما تشاء .
    أفصحت نظرات نظمي، عن معرفته لما يدور في خلده، لكنه اصطحبه إلى استراحة في وسط البهو، يقدمون فيها مشروبات وشطائر وبسكويت مغلف في أحجام ونكهات مختلفة، جلسا إلى ترابيزة مستديرة وقال نظمي :
    - أنت ضيفي اليوم .
    وافق عطوان بعد تمنع، وطلب شاياً، أتى به العامل، وبرفقته قهوة لنظمي دون سؤاله. رشف رشفة استطعم فيها مذاق البن المنعش، وقال :
    - انشراح تأتي كمتطوعة عدة ساعات في اليوم، ليراها المتحجرون، ربما لانت محاجرهم .
    أثنى عليها عطوان في سره، وهو الخائف من معرفة أحد بحضوره، بينما استمر نظمي :
    - وهي أيضاً تستفيد، فالبكاء هنا آمن، وسوف نساعدها، لو انفلت عيارها، أما لو حدث ذلك في الخارج فستجبر نفسها على التوقف لممارسة عملها، وقد تصاب بالتحجر.
    تعلقت عينا نظمي بساعة كبيرة على الحائط، وقال وهو ينهض:
    - انتهت نصف الساعة المقررة .
    ذهبا إلى المجموعة، وتملى نظمي في وجوههم ، وسأل :
    - لا جديد .. ؟
    لم ينتظر إجابتهم، وصحبهم إلى الحجرة التالية.
    لم يكد عطوان ينظر حتى ارتد غير مصدق. ربت نظمي على كتفيه وأعاده إلى مكانه، كان الطبيب الذي كتب تقريراً عن حالته يقول :
    - المخدرات التي تباع في السوق رخيصة، وتؤثر بشدة على الفص الأمامي للمخ، المسئول عن ترويض الغرائز والسيطرة عليها، شكونا لنقابة الصيادلة، ولوزارة الصحة، وما من مجيب .
    وانفجر باكياً .
    وبعد انتهاء الوقت المقرر، عاود نظمي سؤاله لهم وهو يتفحص وجوههم، ودن أن ينتظر إجابة قادهم إلى الحجرة التالية.
    رأى نظمي عجوزاً أصلع ، وسمعه يصيح في عصبية :
    - أوقفوا دوري كرة القدم وجثتي نحست لعجزي عن الاستحمام .
    وانفجر باكياً ..
    - الدنيا برد . والمياه لاتصل إلى الدور الرابع بالموتور .
    وعلا نشيجه، وقال وهو يتفتف :
    - جمهور النادي الأهلي الكبير عندما يتسمر أمام التليفزيون، يسمح ضغط الماء يإشعال سخان البوتاجاز ..
    وأخذ يبكي ويلطم خديه .
    وبعد انتهاء الوقت، سألهم نظمي، وقادهم إلى الحجرة التالية .
    نظر عطوان، فتراجع وهو يردد :
    - معقول .. ؟!
    عاود النظر فتأكد له ما يراه. الشحاذ الذي يفترش الرصيف على ناصية شارعه، معوج الساقين، وجلبابه رثة وشعيراته الهشة مهوشة أعلى قورته، ويمد يده اليمنى مفرودة الكف كصحن يتلقى حبات المطر.
    رآه عطوان في بدلة لا بأس بها، وقد ابيض وجهه، ونام شعره على رأسه بكريم لمعه .
    وكان لا يصدق ما ترويه عنه انشراح. يعطيها الفكة لتمشي حالها ويأخذ الورق الصحيح، ويذهب إلى ميضأة مسجد قريب ويغير ملابسه . وصارت بينهما معرفة، فأخبرها أنه موظف، وله أولاد في الجامعة. يأتي في بعض الأيام ، ويواظب في يومي الإجازة، فبعد صلاة الجمعة، ينعم بأريحية المصلين، وفي يوم السبت تقام السوق الأسبوعية للمدينة، فيجلب الفلاحون الخضروات والسمن والجبن وشقق العيش البيتي المرحرحة والفطير، يجاورهم باعة الملابس المستعملة، والأدوات الكهربية القديمة وهواة تطيير الحمام، يعرضونه في الأقفاص على الشباب .
    وكان الرجل يولول ويصيح :
    - قرار جائر .. منهم لله .. قطعوا عيشنا.. كلما رآنا مخبر أخذنا للتحري عنا ..
    قرار جائر.. حرم الناس من الحسنات ومردودها المجزي .. فالحسنة بعشرة أمثالها.. وحرم الناس من الإحساس بالراحة بعد الإحسان .. قرار ظالم ..
    وانخرط في بكاء شديد .
    وبعد انتهاء الوقت، كرر نظمي سؤاله ، ودون أن ينتظر رداً كالمعتاد ، قال :
    - يكفي ما شهدتموه اليوم .
    وقبل أن ينصرفوا، أسرع ساعٍ إلى المشرف نظمي، وناوله ورقة، وقال :
    - طلب بكاء عاجل . كبير الأمناء أوصى بتلبية الطلب في الحال .
    رد نظمي في ضيق :
    - دون ترتيب ..؟!
    وما كاد يفرغ من قوله، حتى جاء أحد الأمناء بصحبة سيدة، تركها، وانتحى جانباً بنظمي وقال بصوت خافت
    - إنها تريد البكاء لوجه الله .. ويريد سعادة كبير الأمناء الإفادة من حماسها قبل أن يخبو .
    جمع نظمي المتحجرين حول السيدة، التي بدت في منتصف العمر، متناسقة الجسم، ولا يدري لماذا ذكرته بانشراح التي تميل إلى الطول مثلها، لكن بطنها بارزة قليلاً . أشار للسيدة، فقالت :
    - الطيران .. الطيران ..
    وانفجرت باكية .
    - اشتريت قطعة أرض، أقمت عليها بيتاً من دورين، الثاني لسكناي، والأول جهزته بمكن سرفلة وعمل العراوي.
    وصرخت ودخلت في نوبه بكاء، قالت بعدها :
    - الترخيص .. الترخيص ..
    غرامة لأنني بنيت في منطقة عشوائية. أفادت ورقة من الحي أن الأرض داخل كردون المدينة .
    لم يعترفوا بها، ورقة من وزارة الاسكان أكدت ما جاء في الأولى. اعتمديها من المساحة .
    اعتمدتها، ودفعت .. رسوماً ، وإكراميات .. يلزم شهادة من الطيران المدني أن البيت لا يقع في مسار الطيران .. حتى لا تحف به طائرة ..
    ورقعت بالصوات .. وصاحت :
    - الطيران .. الطيران ..
    وقالت إدارة الطيران لا نعطي شهادة لأفراد، وقالت إدارة التراخيص لا نعطي جواباً، فلا مصلحة لنا،ارجعي للطيران..
    الطيران .. الطيران ..
    وتملكتها نوبه بكاء هستيرية .
    - رق عطوان لحالها، فتقدم نحوها . برقت عينا نظمي وأخبره هامساً أن قواعد "المبكاه" تقضي بعدم التدخل .
    وحين تأمل وجوه المتجمعين، ورأى بعضهم يبتسمون، وبعضهم يضحك في خفوت، قرر حجز السيدة في عزل المنفلتة دموعهم لسبر غور بكائها .
    وعندما رأى بعد قليل عيونهم تنشع بالدمع، غزاه قلق مبهم. فهل هي الدموع التي تعقب الضحك، وتجعلنا نقول : اللهم اجعله خيراً، أم هي دموع حقيقية، وتأكد له ما انتواه من ضرورة حجزها .
    صرف نظمي المجموعة ، وذهب إلى حجرة المشرفين بصحبة عطوان والسيدة. دخل ليعد تقريره عن جولة اليوم بينما انتظراه على دكة في جانب من الباب .
    استدعى نظمي عطوان، وأخبره بضرورة حجزه، فحالته لا تتحمل وجوده خارج "المبكاه" .
    وقبل أن يسأله عن موقفه في العمل، طمأنه ألا يشغل باله، وسيعامل كمن في مهمة رسمية .
    - ولو سمحت تليفونك المحمول وبطاقة الرقم القومي .
    وضغط زر الجرس، جاء على أثره ساع :
    - عزل المتحجرين .
    سار معه عطوان وقد غامت عيناه، لا تغادر مخيلته ما رآه . سأل الساعي عن أوضاعهم، فلم ينبس بكلمة .
    مد يده في جيب بنطلونه، وعزل ورقة مالية جانباً، وفركها ليتأكد من وحدانيتها. لقمها يد الساعي، فقال بجفاء:
    - ماذا تريد أن تعرف .. ؟!
    - الشحاذ .. ؟
    - محجوز .. فكلامه عن المردود خطر .. وقد يؤدي –كما سمعت من أحد الأمناء– إلى فتنة طائفية فنحن لا نعرف مردود الحسنة في الديانات الأخرى .
    - و الطبيب .. ؟
    - معه تصريح بالحضور يومين في الأسبوع .
    - والعجوز .. ؟
    - محجوز حتى عودة الدوري .
    وتلعثم عطوان وهو يبحث عن كلمات يستفسر بها عن موعد الإفراج عن المتحجرين .
    لزم الساعي الصمت، فلقمته يد عطوان ورقة أخرى ، قال :
    - فرجه قريب .
    - ماذا تقصد .. ؟!
    - أحدهم رأيته يبكي وقد انفرد بنفسه في نهاية إحدى الجولات، وأبلغت المشرف، فسارع وتفحص وجهه، وسأله بضع أسئلة. وكنت أقف في انتظار أية إشارة، لكن المشرف اقترب مني، وشوح بيده وهو يهمس: دموع للتحايل على الخروج .
    وصلا إلى حجرة كبيرة في الدور الثاني، وسلمه الساعي للقائم عليها، وغادره وهو يقول أنه في خدمته لو احتاج لأي شئ .
    رأى بالحجرة أسرة على الجانبين.. هذا مستلق.. وذاك يقرأ .. وبعضهم يلعب الورق أو الشطرنج في صمت .
    ألحت على عطوان رغبة في البكاء، فسأل القائم عن حجرة خاصة ، فلم يرد .
    عندئذ لقمه بالمعلوم . قال :
    - سأعطيك حجرة اليوم استثناءً .. وفي الغد، تكتب طلباً وتضع مبلغاً في الأمانات، لتسديد إيجارها .
    وقاده إلى حجرة مجاورة، فتح بابها الخشبي الرصاصي اللون، ولم يكد يدخلها ويغلق الباب حتى سمع نقرات عليه، والقائم يفتحه ويقول :
    - معذرة .. نسيت أن أبلغك ببرنامج الغد ، في الصباح جولة على المنفلتة دموعهم .
    - الذين رأيناهم اليوم .. ؟
    - لا .. نوعية مختلفة . وبعد الظهر ، سيشاهدكم المنفلتون .
    - كل منا في حجرة .
    - لا .. فالمشكل أن أياً منكم لا يبوح بقصته.. ستوضعون في حجرة واحدة .
    وأعقب شده للباب خلفه، سكون مطبق . سكون مشبع برطوبة الحيطان وبلاط الأرضية، سكون له ملمس معدني كشباكي سريره والكرسي والترابيزة. سكون تسرب إلى مسامه يكاد يرعش أطرافه . جلس على حافة السرير ومد يده إلى جيبه ليأخذ تليفونه، وسرعان ما أخرجها كاسف البال . أمسك رأسه بين يديه فإذا بتنميل، انتفضت منه أعداد كبيرة من النمل عندما حركها .
    استلقى سانداً رأسه على حديد الشباك .
    وانسابت دموعه ..
    ***
     (مجلة الكلمة آب 2017)