• الرئيسيّة

  • الأحد، 1 ديسمبر 2024

    فتح باب الترشح لنيل الجائزة العربية مصطفى عزّوز لأدب الطفل لسنة 2025

     

     

      فتح منتدى أدب الطفل، باب الترشّح للجائزة العربية مصطفى عزّوز لأدب الطفل لسنة     2025 في نسختها الـ 16، للكتّاب والأدباء والمبدعين وللأطفال واليافعين (من 9 إلى 18 سنة) من تونس والبلدان العربية، إلى غاية 15 جانفي 2025.

    ويمكن للراغبين في الترشّح لهذه الجائزة الخاصة بالقصة الموجهة إلى اليافعين والنصوص الحرة، تقديم ترشحهم بعمل واحد فقط، والتسجيل عبر الموقع الالكتروني www.atbprixmustaphaazouz.tn، على أنه لا يحق لمن سبق له الفوز بهذه الجائزة الترشح لها ثانية إذا لم يمرّ على فوزه ثلاث سنوات على الأقل، كما يتوجّب إرسال الأعمال المرشّحة عن طريق البريد ان تعذّر ذلك فعن طريق البريد الالكتروني التالي: adeb.ettefl@gmail.com

    ويشترط في مواصفات الانتاج الأدبي المرشّح، أن يترواح طول النصّ بين 40 و80 صفحة فما فوق مرقمة أي بين 10000 و 20000 كلمة ( الحجم الورقي A4 ) بالنسبة إلى المشاركين من الكتّاب والأدباء. ويتوجّب أن يتراوح طول نصوص اليافعين بين 10 و30 صفحة مرقّمة ( فما فوق A4 ) بالنّسبة إلى المشاركين من الأطفال واليافعين، وأن تكون محرّرة بلغة عربية فصحى مع الشكل التامّ أو الجزئي، ومنسوبة إلى شخص واحد ومبتكرة ( لا مقتبسة ولا مترجمة) وغير منشورة سابقا وغير حاصلة على أي جائزة عربية.

    وتنقسم جوائز القصة الموجهة الى اليافعين من 12 الى 18 سنة الى الجائزة الاولى ومقدارها 12 ألف دينار والجائزة الثانية بقيمة 8 آلاف دينار والجائزة الثالثة بمقدار 5 آلاف دينار وتخصص للنصوص الحرة ثلاث جوائز تشجيعية بقيمة ألف دينار لكل واحدة.

    يذكر أن منتدى أدب الطفل هو جمعية ثقافية أسست سنة 2012 وتهدف الى المساهمة في إثراء الحركة الثقافية على الصعيد الوطني والعربي وتشرف بصفة خاصة على تنظيم الجائزة العربية مصطفى عزوز لادب الطفل.


    .

    السبت، 30 نوفمبر 2024

    مرافقة ومساعدة على كتابة القصة والرواية والمسرح

    في هذا الفضاء نقدّم مساعدة ومرافقة خاصّة حول كتابة القصة والرواية والمسرح تدقيق أدبي ومعالجة أسلوبية تحرير واقتراح أفكار روايات وقصص مساعدة على كتابة النصوص بأنواعها من أجل التقدم بها إلى الجوائز اترك تعليقا وسنتواصل معك

    للاتفاق حول التفاصيل

    مرحبا  

    الأربعاء، 19 ماي 2021

    هنود فلسطين / جيل دولوز - ترجمة محمد فطومي

     

     

        الفيلسوف جيل دولوز Gilles Deleuze والقضيّة الفلسطينيّة.

    كُتب النصّ سنة 1983، تحت عنوان (هنود فلسطين)

    الترجمة من الفرنسيّة : محمد فطومي / عسى أن يصل إلى أكبر عدد ممكن من العقول العربيّة حتّى ترى بعين الفكر الوجه الحقيقي للقضيّة.

     

    «ستفرِضُ الصّهيونيّة، ثمَّ دولة إسرائيل على الفلسطينيّن الاعتراف بهما كما لو كان ذلك حقّا. إلاّ أنّ إسرائيل من جهتها ما انفكّت تنكر أنّ الشعب الفلسطينيّ أمر واقع. لن يجري الحديث أبدا عن فلسطينيّين لكن عن عرب فلسطين كما لو كانوا قد وُجِدوا هناك صدفة أو على سبيل الخطإ. ولاحقا سيتمّ التعامل مع الأحداث كما لو كان الفلسطينيّون المُهَجَّرون قد جاؤوا من الخارج، وسيُبقُون طيَّ الكتمان حرب التّحرير الأولى التي خاضها الفلسطينيّون بمُفردهم بل أكثر من ذلك سيُنعَتون بأنّهم مُنحَدرون من هتلر، بما أنّهم لا يعترفون بحقّ إسرائيل في النّشوء. في المُقابل تكفل إسرائيلُ لنفسها الحقّ في إنكار وجودهم. من هنا تبدأ رواية مُتخَيَّلَة ستمتدّ جذورها أبعد فأبعد، وستُثقل كاهل المُدافعين على القضيّة الفلسطينيّة. تقضي هذه المزاعم، وهذا الرّهان الإسرائيلي، بإلصاق صفة المُعادي للساميّة بكلّ المُندّدين بالظّروف على أرض الواقع وبممارسات الدّولة الصهيونيّة. تنبع هذه العمليّة من البرود السياسي لإسرائيل إزاء الفلسطينيّن.

    لم تُخفِ إسرائيلُ غايتها يوما: إخلاء الأرض الفلسطينيّة بالكامل، الإفراغ الشامل. أو أدهى من ذلك، التعاطي معها كما لو كانت خالية منذ البداية، ومُمَهَّدة منذ عصور للصهاينة. إنّه احتلال لا شكّ فيه، لكن ليس على الطّريقة الأوروبية خلال القرن التاسع عشر: لن يتمَّ استغلال سكّان البلد، بل سيُرَحَّلون من ديارهم. أمّا الذين سيمكثون فلن يُعوَّل عليهم كيَدٍ عاملة مُرتبطة بالأرض، بل كَيَدٍ عاملة مُنفصلة وعرضيّة، كما لو كانوا لاجئين في مُخيّمات من خلال حملة شراء للأراضي منذ البداية شرط إفراغها تماما من ساكنيها أو على الأقلّ قابلة للإخلاء دون مشاكل. إنّها جريمة، حيثُ الإبادة الجسديّة تبدو في صورة تطهير جغرافي: وبما أنّ الفلسطينيّين هم عرب في نهاية الأمر فسينصهرون في شعوب عربيّة أخرى. أمّا الإبادة الجسديّة، مُعلَنَة كانت أم لا، موكَلَة إلى المرتزقة أم لا فإنّها تظلّ حقيقة صارخة. لكنّها ليست جريمة " يهتف بعضهم"، بما أنّها ليست الهدف النهائي: فعلا، إنّها وسيلة ضمن عدة وسائل أخرى.

      إنّ تواطُؤ الولايات المُتّحدة مع إسرائيل لا يستقي وجوده فقط من قوّة اللوبي الصّهيوني. لقد برهن إلياس سانبار باقتدار كيف أنّ الولايات المُتّحدة تجد في إسرائيل انعكاسا لتاريخها: إبادة الهنود التي تمّت جسديّا في جزء منها فقط، لأنّ الحرص الأكبر كان على صنع الفراغ، كأنّ الهنود لم يوجدوا يوما ما عدا في المُخيّمات التي راحت تستقبل وفود المُهَجّرين من الدّاخل. يتقاطع الفلسطينيّون معهم في نقاط عديدة، إنّهم الهنود الجدد، هنود إسرائيل. يُشير المُحلّل الماركسي إلى حركَتيْن مُكمّلتَيْن للرّأسماليّة: السعي الدّؤوب للحصول على حدود، أين سيكون على الغزاة تركيز نظامهم واستغلاله؛ الدّفع بالحدود أبعد دائما، ومن ثمَّ تجاوزها قصد استئنا
    ف نشر نظام أمتن وأوسع مُعزّزا دعائمه أعمق فأعمق. كان توسيع الحدود دائما الفعل الأساسي للرأسماليّة الأمريكيّة، للحلم الأمريكي، الذي اقتبسته إسرائيل من أجل حلمها بإسرائيل الكبرى فوق الأراضي العربيّة، على ظهر العرب.»

    من كتاب (نظامَيْ مجانين)  الصادر سنة 1983 عن دار منشورات  Minuit.

     

     

     

     

    الثلاثاء، 11 ماي 2021

    البنّاء / مجلة البحرين الثقافية العدد 104 لشهر أفريل 2021

     




    البَنَّاء

     

        بدا كأنّ الحشد، بين مُغادر ووافد، لم يبرح، طيلة النّهار، مُحيط ڥيلاّ أحد أثرياء المدينة المُقيمين في فرنسا. كان من الصّعب تخمين ما يجول في أذهان النّاس صباح ذلك اليوم الخريفي الكئيب. لم يسبق لأحد أن رأى ما يُشبه ذلك من قبل. كانت دون ريب تحفة فنّية تحبس الأنفاس. ثمّة من اقترف هذا الجمال في غفلة من الجميع. لكن كيف تسنّى لهم أن يفعلوا دون أن يتفطّن إليهم عمّال محطّة الوقود المجاورة ودون أن يسمع صاحب البيت أصوات المطارق والأزاميل وهي تهوي على جدار السّور بذلك العنف؟ يعلم الجميع أنّ الڥيلا كانت مُجهّزة بكاميرات مراقبة بالإضافة إلى أنّ كلابا مُدرّبة كانت تجوب الحديقة بحُرّية. على طول السّور المواجه لشارع كبير رُسمت صورة لامرأة تستعدّ لاحتضان طفل يتعثّر في خطواته الأولى. أُنجِزَت اللوحة بواسطة ثقوب وأخاديد عميقة في الجدار. امتزج الشّعور بالحيرة والانبهار في البداية. كان لغزا مُحكم الإغلاق جعل كلَّ محاولة لاختراقه شبيهة بالقفز في الفراغ. ثمّ سرعان ما تحوّل الذّهول إلى حلقات نقاش صاخبة غلب عليها التنافس في تقديم التّفاسير على نحو يوحي بأنّها ساحة جريمة. لكن خلال الأيّام التالية وقف البعض أمام الرّسم كأنّهم يشاهدون قطارا مقلوبا أو أثر صاعقة. راج الحديث في المقاهي والمكاتب والصّحافة عن الرّسم. تعدّدت الآراء واختلط الواقعي البائس بالخيالي الحالم. لاحت الصّورة مهيبة وضاحكة، مُتحدّية الأبصار المُعجَبَة بها والحاقدة على غرورها في آن. وانقسم الناس بين مؤيّد لفكرة كائنات فضائيّة خارقة وبين مُكذّبين لنفي صاحب البيت علمه بما حصل. قرّر آخرون أنّ صنع مئات الثّقوب في جدار مقابل لأكثر شوارع المدينة حركةً، مع مراعاة جانب الفنّ، دون شكّ عملُ شياطين. ورجّح بعضُ المتعقّلين أنّ الحُفَرَ كانت نتيجة وابل من الرّصاص المكتوم. غير أنّ كلَّ من سمع ذلك ضحك ساخرا. وفيما اهتدى فريق إلى أنّه سحر، توقّع آخرون حدوث كارثة عمّا قريب.

      بعد أسابيع لم تتقدّم فيها الأبحاث الأمنيّة خطوة واحدة عدا الاستماع إلى الشّهادات ومتابعة ما سجّلته كاميرات المراقبة المنتشرة في المكان دون جدوى، استفاق سكّان مدينة مجاورة على لوحة رُسمت أيضا بالمطرقة والإزميل على الواجهة الجانبيّة لأحد الفنادق الصّغيرة، تظهر فيها امرأة نصف مُمَدّدة على سرير. لكنّ القضيّة لم تتحوّل إلى شأن وطني إلاّ عندما تكرّرت الظّاهرة في العاصمة حيثُ ازدحم النّاسُ لرؤية الشابّ المرسوم بتقنية الثّقوب والأخاديد على جدار أحد معاهد الموسيقى الرّاقية، والذي كان يبدو فيها ماسكا بقضبان بوّابة ضخمة. عندها وكما لو كان الحدث قد رُصِد للمرّة الأولى تشكّلت خليّة عدليّة للتحرّي واستعذَبَ الناسُ فكرة أنّ كائنات فضائيّة تحوم في سماء البلاد. فاتّجهت الأنظار نحو السّماء وضُرِبَت الخيام في الغابات وقرب التلال لمباغتة الغزاة الخارقين، وانتشر كمّ هائل من فيديوهات لجثث غريبة وأطباق طائرة سجّلت حضورها في الجهات هنا وهناك، قبل أن تختفي كالبرق. انتشرت تجارة النّيازك رغم أنّه لا أحد سمع كلمة إعجاب بحجارته المُحمَرّة الدّاكنة. تضاعف سعرُ الماء والتّبغ. سمع محلّلون نفسيّون مُحتَرَمون شتائم مهينة لأنّ كلامهم كان باعثا على الغثيان. وهُيّئت في الفضائيّات كراسِيُّ قارّة للفلكيّين. أُعفِيَ منتحلو صفة المنجّمين ذوي السّمعة الجيّدة في البلاد من دفع الغرامة ودخول السّجن لحداثة سنّهم، ونزل آلاف إلى الشّوارع مُطالبين بحقّهم في الإغلاق على أنفسهم خلف أسوار الأديِرة. سالت دماءٌ على الرّصيف من أجل ذلك وأُسنِدَت رخصٌ مُعَقَّدة تنظّمُ حياة العزلة.

      جُمعت القرائن ودُوّنت التّقارير وعُقدت اجتماعات سرّية في مقرّ القيادة العليا لسلامة أمن الدّولة، لتُفضي أشغال التقصّي إلى عرض مُصوّر قدّمه رئيس الخليّة:

    «لنُعد تركيب القطع المتناثرة:

    علمنا أنّ هذه الجدران الثّلاثة تنتمي إلى بنايات كان أصحابها غائبين أثناء عمليّة تشييدها. وبالتعمّق أكثر في البحث توصّلنا إلى أنّ بنّاءً واحدا اسمُه (شوقي الصّافي) المُكنّى بـــ "القلم" قام بتلبيس الجدران من الدّاخل والخارج.»

      أُلقِيَ القبْضُ على شوقي الصّافي المُختبئ في شقّة صغيرة، ليلة قبل تسلّله عبر الحدود الشرقيّة. في أقبية التّحقيق اعترف بأنّه كان وراء أعمال التّخريب كما كان المُحقّقون يُطلقون عليها، والتي فضّل المُتضرّرون الاحتفاظ بها.

    - ما عملك؟ قال الضّابط.

    - بنّاء.

    - هل لديك شهادة من أيّ نوع؟

    - انقطعتُ عن مرحلتي الجامعيّة قبل سنة من التخرّج للعناية بأمّي المريضة.

    - كيف فعلتها؟

    - لديَّ دراية بالكيمياء، ولأنّي لم أحصل على شهادتي فقد قرّرتُ صنع شيء أتوهّم من خلاله أنّني إنسانٌ مهمّ. بعد تجارب دامت سنواتٍ طويلةً، توصّلتُ إلى تركيبة قادرة على تفتيت الخرسانة بعد مرور سنة أو سنتين. كنتُ أرسم لوحاتي بوضع نقاط بإصبعي من مادّتي على الآجرّ قبل تلبيس الجدران بالإسمنت.. حسنًا، يبدو أنّ المادّة قامت بشغل جيّد ما دمتُ هنا الآن.

    روى السّائق الذي أقلّ البنّاء إلى مكان مجهول معصوبَ العَيْنَيْن ومُغطّى بالكدمات، أنّه أحدث سحابة بخار على زجاج السيّارة ثمّ رسم نقطة في وسطها.

    لن ينسى رئيس الخليّة العدليّة ابتسامة الـــ«قلم» الهادئة ونظراته الجليديّة، والمكالمة الأخطر التي تلقّاها في مسيرته:

    «طبّق الإجراء (ج) أيّها اللّواء. لا نُريدُ مشاكل قد تُعكّر الصّفوَ العَامّ.. حرامٌ أن يسقط شعبٌ بأسره من النّجوم».

    ***

     

     

    محمد فطومي

    تونس


    الاثنين، 10 ماي 2021

    مقطع 2 من كتاب "قوّة العمر" / سيمون دي وبفوار (ترجمة محمد فطومي)

     

    في باريس، هاڥر، رووان، كان الموضوع الأساسي لحواراتنا هم الناس الذي عرفناهم؛ لقد شغلونا إلى حدّ أنّي لو منعتُ نفسي من الحديث عن حياتهم أكون قد صببتُ الضّجر على ما أرسمه لحياتنا من صورة: أسباب معقولة عديدة تمسك دفّة القيادة في حياتنا بصمت. لكنّ واقع هذا الاحتدام، غير المتوقّع دائما، المُدهش عادة، لوجود الغرباء بيننا، يؤثّث أيّامنا وينقذها من الرّتابة. تُطرحُ أسئلة باستمرار. تزوّجت جيجي أحد أساتذتها القدامى في الرّسم؛ كانت منزعجة من عائلة زوجها، المحافظة والمتديّنة؛ كانت تندلع بينها وبين زو
    جها مشاجرات يوميّة تقريبا؛ كانت تكنّ له ضغينة كبيرة لكنّها تراه جذّابا: كيف كانت تجمع بين هذيْن المتناقضين؟ كانت دائما مرتبطة بأختها، غير أنّ كلتاهما نضجت بطريقتها: كان لصداقتهما تعقيداتها أيضا. جاكلين لومار تتهيأ للخطبة: لمَ مع هذا الشاب بدل آخر من بين عُشّاقها؟ ما سبب المشاحنات التي جدّت بالأمس بين تاپير وبين السيّدة ليستومار؟ حين نلتقي بوجوه جديدة، فنحنُ نقلّبهم على كلّ الاتّجاهات ونُحسّن من مظهرهم، نحنُ نتمّم ما رسمناه لهم. حدث لنا ذلك مع زملائنا. اهتممنا خاصّة بكوليت أودري؛ تساءلنا حول صلتها بالسّياسة، والحبّ، وأختها، ومع ذاتها.

    الثلاثاء، 4 ماي 2021

     مقطع من كتاب (قوّة العمر) / سيمون دي بوفوار


    تكمن أصالة سارتر وجديدُه في أنّه يولي الواقع وزنه كاملا، مانحا الضّمير استقلاليّة سامية؛ فمنهجُه الذّهني ينساق إلى المعرفة بسلاسة كاملة آخذا بعين الاعتبار كيانه غير القابل للانتقاص؛ لم يكن يقبل تنافرا بين النّظر وبين 

    الشيء المتأمَّل، ما يجعله في مواجهة مآزق شائكة: لكن أبدا، لم تكن المصاعب تُحبِطُ قناعاته. هل تُعزى هذه الواقعيّة العنيدة إلى الاعتزاز بالنّفس أم للحبّ؟ كان يرفُض أن يُأخَذَ الإنسان رهينة المظاهر؛ وكان مُتعلّقا بشغف بالأرض كي يختزلها في وهم؛ تُلهمه حيويّته تفاؤلا يتأكّد معه، بنفس الألق، الشيء والموضوع. يستحيل الإيمان بالألوان وباهتزاز "الإيثير" éther، عاب على العلم: كان يمشي على خطى ورثة منهج نقد المثاليّة؛ لكن باختلاف مُذهل، كان يركل مبدأ وجود فكرة كونيّة؛ لم تكن القوانين، المفاهيم، وكلّ الأفكار المُجرّدة، تُخلّف غير الرّيح؛ اتّفق الناسُ ضمنيّا على قطفها من بين أيدي بعضهم البعض، لأنّها تحجب عنهم حقيقة تُزعجهم مواجهتها؛ كان هو يريد أن يقبض عليها حيّة؛ كان يدين التحاليل التي لا تُشرّح سوى الجثث؛ كان يسعى وراء ذكاء شامل يُعنى بالملموس، أي بالفردي، إذ لا وجود لغير الفرد. من بين الأفكار الميتافيزيقيّة، لم يكن يقبل سوى تلك التي تعتبر الكون (الكوس-موسcos-mos) كُلّية مُركّبة: فلسفة سبينوزا والفلسفة الرواقيّة. فيما يجد آرون غايته في التّحليل النّقدي وعمِلَ على تجزئة نتائج سارتر المُتهوّرة؛ كان فنّانا في مُحاصرة محاوره داخل المُعضلات، وحين يُمسك به، فإنّه يذرّ في عيونه الرّماد. «من بين أمريْن، هناك واحد صائب، رفيقي الصّغير»، كان يقول بابتسامة شاحبة من عيْنَيْه الزّرقاوَيْن، المُحبَطَتيْن والذكيّتيْن جدّا. يقاوم سارتر حتّى لا يقع في أسر كلماته، لكن وبما أن تفكيره كان خلاّقا أكثر من كونه منطقيّا، فقد كان دائما ينجح في الإفلات. لا أذكُر أنّه أقنع آرون يوما، ولا أن يكون الأخيرُ قد نجح في أعجزه.

    الأحد، 2 ماي 2021

    روابط مهمّة لمواقع تقدّم دورات تكوينية وخدمات تعليميّة وتثقيفيّة متنوعة

     

    عوض تضييع وقتك على الفيسبوك ؛ تفقد المواقع التالية:
    أهم 25 مواقع على الأنترنت حالياََ
    1 – CodeAcademy
    من أفضل مواقع تعليم لغات البرمجة (HTML , CSS) و الـJavascript
    2 – Coursera
    فيها أكتر من 800 دورة مجانية في العديد من المجالات
    3 – Digital Photography School
    أفضل موقع لتحسين مهارات التصوير الفوتوغرافي الخاص بيك وفيها منتدى نشط دائما للتفاعل مع المصورين اصحاب الصور المعروضة للملاحظات والتعلم
    4 – Duolingo
    لتعلم اللغات وتحسين مهاراتك اللغويةبالإضافة إلى هذا الموقع :
    5 – edX
    موقع شامل لشرح المواضيع العلمية وعرض المعلومات
    6 – Factsie
    من أمتع المواقع التى تنشر حقائق تاريخية وعلمية و مصادر موثوقة من جهات معتمدة متخصصة وبمجرد النقر على الموقع يعطيك المعلومة بالـمصادر source
    7 – Fast Company’s 30-Second MBA
    يعرض فيديوهات قصيرة لمديرين تنفيذين لشركات يدفعوك للعمل والتعلم ويحكوا عن تجاربهم
    8 – Freerice
    يوسع مفردات كلامك عند الحديث مع الأقل منك ماديا أو جسديا أو مركزاََ
    9 – Gibbon
    يعرض مقالات وأشرطة فيديوهات لمساعدتك على تعلم البرمجة والجرافيك و الـios
    10 – Instructables
    موقع فنى يعرض مقالات وفيديوهات عن تعليم المواهب و المهارات مثل الطبخ ، الرسم ، التزيين ، ترتيب منزلك ، إصلاح امور ، خطط عمل ، عمل حديقة إلخ…
    _______
    وانضم لجروبنا متنساش 👇
    Join us👉 مليون مبرمج مصري
    _______
    11 – Investopedia
    لتعلم كل شيئ تحتاج معرفته عن الأستثمار والتسويق والتمويلات الشخصية
    12 – Khan Academy
    موسوعة كبيرة جدا جدا لتعلم الكثير و الكثير من الامور
    عند دخول الموقع تجد هذه العبارة :
    you only have to know one thing >> YOU CAN LEARN ANYTHING
    13 – LearnVest
    تقديم موارد لمساعدتك على تعلم أساسيات إدارة الأموال الخاصة بيك والتمويل
    14 – Lifehacker
    نصائح لأنجاز أمورك بسرعة وبطريقة صحيحة بدون أخطاء وعواقب
    15 – Lumosity
    لتدريب دماغك على المرح والسعادة عبر ألعاب مصممة بطريقة علمية ، وفيها برامج لتدريب دماغك “علميا” على الذاكرة والأنتباه وسرعة البديهة
    16 – MIT Open Courseware
    كورسات مواد دراسية لجعل من الطالب شخص ذكى
    17 – Powersearching with Google
    يعرض أحسن طرق لمهارة اتقان عملية البحث عن شيئ فى محرك جوجل
    18 – Quora
    يعرض عليك مختارات ثقافية كثيرة ؛ كل ما عليك فعله هو تحديد المواضيع التي تهمك، ويتم يوميا نشر عنهم معلومات ، بالإضافة إلى أنك إذا سألت أى سؤال سيتم الرد عليك .
    19 – Recipe Puppy
    مطبخ كبير جدا
    20 – Spreeder
    لتحيسن فهم وسرعة قرائتك ولصق وتنسيق الجُمل بحرفية
    21 – StackOverflow
    سؤال وجواب للمبرمجيين
    22 – TED-Ed
    دروس وفيديوهات عن كل المواضيع والثقافات
    23 – Udemy
    لتغذية عقلك مع دورات عن كل شيئ .
    24 – Unplug The TV
    موقع علمى يطرح أمور العالم الحديث
    25 – VSauce
    من أهم وأكبر القنوات على اليوتيوب، والتي تعرض حقائق و مواضيع تذهب بك لعالم آخر ...
    ===============

     الملل؟

    عبء يُثقل كاهل كثيرين منّا

    قتل الوقت" خسارة عظيمة"

    كلاهما ينتُج عن غياب العمل في صمت لأجل العمل 

    لا إرضاء للآخرين


    بعيدا عن جزيرة القراءة

     

    بعيدا عن جزيرة القراءة

     

     أسقط في العبث لو أنكرتُ وجود 


    قرّاء حقيقيّين أوفياء للكُتب لا للكُتّاب، قرّاءَ مُستقلّين، لا يكاد أحدهم يعرف الآخر، ليس لديهم ما يدينون به لأحد، أبصارُهم حديد في حفلات الدّخان وذرّ الرّماد، يتنقّلون في صمت بين المكتبات والأكشاك. يقرؤون ما يطيبُ لهم، ما يختارونه بأنفسهم، دون إحداث ضجيج من حولهم، مُتحرّرين من قيد الحفاظ على الصّديق (أو الكاهن أو الوليّ) بالتّصفيق له على الدّوام. يُدركون أنّ القراءة ليست عملا خيريّا ولا هي المجال المناسب لتوزيع الصَّدقات. تُحرّكهم الأفكارُ ويهتزّون لاهتزازها، غيرَ مُضطرّين بتاتا إلى رفع تقرير مُجاملة أو إعجاب لصاحبها ولا إلى اتّباع طائفة قرّاء موجَّهين مُطيعين كسُيّاح لا يملكون الحقّ في الخروج عن البرنامج الذي سطّره الدّليل. القرّاء الحقيقيّون لا يهمّهم إن كان الكاتب على قيد الحياة أم لا، إن كان له حساب فايسبوكي أم لا، إن كان أو كانت من المُبشِّرين بانتصار النّساء على الرّجال يوما أم لا، إن كان راعي غنم أم واحدا من بين إقطاعيّي الثّقافة في البلاد، إن كان أصلا من هذه البلاد أم من خارجها، إن كان على رأس منبر أو أحد مقرّبيه أم ممّن هم «خارج التّغطية off line». لأنّ قضيّته مع كِتابٍ يُحاورُه في مكتبة لا مع كاتب يتسوّل القراءة، بما أوتي من وسائل الإكراه والإحراج والإغواء. وأن يكون لدينا قرّاء جيّدون على درجة عالية من النزاهة والذكاء والحريّة لا يتجاوز عددهم بكثير الإعلام المُحترف ولجان القراءة في دور النّشر ولجان التّحكيم في المسابقات، فهذا لا يعني أنّ هناك قراءة. ثمّة فرق كبير بين وجود قرّاء ووجود قراءة في بلد ما. القراءة معدومة في تونس. يجب أن نعترف بهذا كي نتقدّم، لأنّ عاطفة المكابرة لم تُؤدّ بالبلدان عبر التاريخ سوى إلى مزيد من التخلّف. أقول إنّ القراءة معدومة، ببساطة وبموضوعيّة، لأنّ شروطها غائبة: إذ لا وجود لنجاح جمهوري للكتب، موت النّقد، مشهدٌ أدبي يوحي بأنّ الكُتُب تمرّ مباشرة من المطابع إلى المحارق (ما عدا من شفع له تتويجٌ مُهم)، دفن المناسبات والفرص الإبداعية والمعرفية (الشحيحة أصلا) حيّة بدعوى الفيروس الذي لم يمنع التلاميذ والطلبة من الدراسة، إبطالٌ تام لدور المؤلّفات السّرديّة في الدّراما، غباء حكومي إزاء فهم معنى الثقافة. في بلد يختار أن يلقي بالكتب من المركب المهدّد بالغرق بدل الحجارة التي تملؤه، سيكون على الكاتب أن يطوّر أسلوبا يجنّبه الاكتئاب والإحباط. سيكون عليه (وهو مُحقّ) أن يلتحق على نحو مُثير للشّفقة بطائفة ما كي يتوهّم في القُرّاء وجود قراءة، وهي إمّا العشيرة أو المُعجَبون بمنبر الكاتب أو النّوادي المُضيّقة أو المجموعات الفايسبوكيّة، وهي جُزُرٌ لا يقطنها عادة أكثر من مائة ساكن أو مائتين، لكلّ جزيرة منها لغة وزعيم وحرَس. وصولا إلى طائفة ليس مُتاحا أن يحظى المرء بقُربهم لأنّهم مُنشغلون على الدّوام بزفّ النّجوم إلى العيون والجوائز؛ لن أتحدّث عن هؤلاء لأنّي لا أملك دليلا على وجودهم. لكنّي في المقابل أملك دليلا على بؤس القراءة: هل كان معرض الكتاب ليُلغى لو أنّ له وزن وليمة الضّباع التي اسمها انتخابات؟

     

    ***

     

    الجمعة، 30 أفريل 2021

      ما نرجوه عن طريق الحظّ، ليس في الواقِع سوى سلسلة من

     الحسابات.

    *  الذّكاءُ أيضا، هو أن نعرف ما نعرفه، ونعرفَ ما نجهَلُه.



    الجسر / قصّة قصيرة على صفحات مجلّة الحياة الثقافيّة / تاريخ 29/04/2021


    الجسر

     

     

        أمعنت النّظر في القمر وهو يتوارى خلف غيمة وفكّرت كما لو أنّي أؤيّد الحماقة التي سكنتني وما انفكّت تكبر حولي و فِي داخلي، بأنّ:

    الجبناء الذين يتّخذون من أوسط الجسر منزلا كي يفوزوا بالضفّتين، تتبرّأ منهم الضّفتان.

    بردت أطرافي لحظة و تملّكني ذعر في معدتي، تخيّلت الذّعر عنكبوتا بنيّا مكسوّا بالشّعر.. وقرّرت كأنّي أخضع نفسي إلى العلاج: لا بأس، الأمر طبيعيّ.. نحن دائما هكذا لا نرتعد إلاّ أمام المسائل التي نكون فيها محقّين للغاية.

      ظلّ الخوف يمور  بداخلي. حاولت أن أرتخي عضليّا، لكنّ شعورا لاذعا بأنّي أكذب انتابني.. 

     حوّلت بصري عن السّماء فوقع بموجب العادة على بيت علوان أخي، لحظتها ارتطمتُ مرّة أخرى بقراري وتخيّلت مزيج الدّهشة والشّفقة اللتين كان سيحاول إخفاءهما عنّي لو أخبرته بما أنوي فعله، سيخبئ عينيه براحتيه، و سيفرك صدغيه ويغيّر الموضوع .. يقول أخي المزارع، علوان: فرس شبعان ومحراث جيّد  وتربة سوداء وكرامة، أشياء لا تجتمع حتّى لدى السّلطان..

     يختفي العنكبوت في معدتي من تلقاء نفسه. أحدّق في الخندق العميق الذي يمتدّ طويلا، شامتا ، حائلا دوننا  و دون المدينة. يستفزّني منذ صغري هذا الشّرخ المتأصّل في كلّ واحد من أبناء حيّي كدمغة محرجة على جبين مثقّف أفرط في الشّرب حتّى سقط،. أحيانا يتراءى لي أنّ غضبي بدأ قبل أن أولد.


       صديقي غَوّار هو الوحيد الذي أثق به وبإمكاني التّعويل عليه في المسائل المجنونة. سأذهب إليه وأجعله يستدرجني إلى الكلام. لا أجد نكهة في الحديث معه إن لم أرهق حدسه معي أوّلا. كان يكبرني بثلاث سنوات و قلبا آخر على اليمين. يحبّني. كان دائما يدافع عنّي ونحن صغارا. أذكر أنّه خاض خصومة مع أولاد تعرّضوا لي. كنت تلميذا بمئزرٍ أصفرَ قصيرِ الأكمامِ وكان هو مسّاح زجاج وأحذية في المفترقات. يومها خسِر حذاءه ولم يروِ لي ما حدث. ثمّ بعد ذلك صار  يدسّ في جيبي بعض النّقود، ويقول الجامعة ليست جزيرة قرود! ستحتاج إلى هذا الكنز الصّغير.

    وجدته في المقهى، لم يكن يلعب النّرد كما توقّعت، كان ينقّط و يشطب ورقة رهان لأوّل مرّة.. سألته:

    - ماذا تفعل؟

    أجاب:

    - يوم يطرق الحظّ بابي، يجب أن أفتح له وفي يدي ورقة قمار.. عيب كبير أن أدعه يهب لي نفسه مجانا.. لديّ إحساس بأنّه سيطرق بابي عمّا قريب.

      كان حيّنا خليَّةَ عمّال زرق و خادمات بيوت و رضّع.. أماكن كهذه تفهم أنّ عليها الابتعاد عن المجال الفوتوغرافي لسائح جاء يتعجّب ويتلذّذ وحسب. مع ذلك أحسّ تجاهه بعاطفة لا أجد لها وصفا يناسبها أبلغ من الاستمرار في حبّ وشاح أمّي حتّى لو خنقوني به ألف مرّة..

      وإنّ الطّارق الغريب ليطرق باب الصّفيح في حيّنا بحثا عن الخمر أيّام الجمعة والأعياد، فتفتح له فتاة في السّادسة من العمر، جميلة كأغنية يسألها عن والدها أو أخيها الأكبر فلا تجيب، وتُحضر له طلبه في كيس أسود تحكم القبض عليه بكلتا يديها. يسألها ما اسمك يا صغيرة؛ تكره التشبّه ببنات الجدائل و الأراجيح، ترشقه بنظرة هرّ مسنّ وتجيبه: حوريّة. فيتلقّى إجابتها كشتيمة.. قال لي غوّار مرّة: «الدّنيا على حقيقتها هي دنّ الماء المتّسخ بأثر الأيادي، ذو الغطاء المربوط بخيط إلى العنق، القابع تحت كرسيّ القيادة لجرّار قديم».

       مازالَ حيّنا كالعار الأكثر خزيا من أن يُطرد الواحد فينا من بيته بماسورة بندقيّة فارغة دفعا من الخلف..

       وحين يمرّ بك أبوك الذي يدّخرك لتتعلم صنعة بصحبة عمّك ويلفيانك مستندا إلى جدار مائل تراقب الصّبية  وهم في طريقهم إلى أقرب مدرسة بالمدينة، يخلّفونها على يمينهم ويتّخذون مسلكا يحيد بهم عن الخندق كي يصلوا إليها وهم يتعثّرون في أنياب الصّخور والشّوك المتحفّز للدغهم في أيّة لحظة، ويتعجّب عمّك: حسين .. الفتى بدأ يكبر، لا تحرمه من الدّراسة.. إنّه راغب.. أقرأ ذلك في عينيه.. أنا أسجّله و أنفق عليه..

    و يداعب رأسك بحنوّ: بنيّ تريد أن تدرس..؟ 

    و لمّا تكبر و تصبح أستاذا بمعهد خاصّ لقبا دون راتب يؤدّي أربع ساعات متباعدة في الأسبوع، فيتفاقم فقرك أكثر. فإنّك حتما ستمرض بقنطرة بحجم عجزك.

       إنّ إهمالهم للمطالب المتكرّرة و للشّكاوى التي أمطرنا بها جميع المصالح من أجل أن يبنوا بيننا وبين المدينة قنطرة، لا يشي سوى بأنّهم يتعمّدون إبقاءنا خارج العمارة والتّقويم.

      

        خائف لكنّني حسمت أمري.. سأبيع كلية وأبسط بثمنها جسرا صغيرا للمشاة يربطنا بالمدينة. غدا أتفاوض مع محي الدين حارس مقبرة اليهود بشأن الكِلْيَة وليكن ما يكون.. في النّهاية واحدة تكفي.. وفرس شبعان ومحراث جيّد  و تربة سوداء وكرامة أشياء لا تلتقي حتّى لدى السّلطان.

       كان غوّار سيمنعني قطعا لو أخبرته، لذلك فضّلت أن أبيعها أوّلا وحين أحصل على المبلغ أضعه بين يديه وأقول له أيّ كلام يخطر ببالي وقتها، قبل أن أكلّفه بمدّ المعبر ورفع الحواجز الحديديّة على الحوافّ.. لن يمانع.

    أجريت الفحص اللاّزم وكان عليّ أن أنتظر أكثر من شهر . وقّعت لمحيي الدين على ورقة؛ وحذّرني قائلا: «يوم العمليّة أريدك أن تجهز باكرا. لا تجعلنا ننتظر. أريد رجلا إذا وعد بقتلي في الغد، لا يكتفي في الغد بصفعي..»

    بعد أكثر من شهر عَثِر لي على حريف وأجريت العمليّة.

    قبضت نصيبي من الصّفقة وأوهمت الجميع بأنّي قمت بعمليّة على قرحة المعدة.

    كان مبلغا لا بأس به، بل أظنّه كافيا لأغيّر أيضا محفظتي المهترئة وموقد أمّي وبعض الأثاث..

      لكن لمّا انتزعوا كليتي وقبضتُ المبلغ، راودني شعور بأنّي ذيل سحلية يستمرّ في التّمويه بعد موت السحلية. الحقيقة الوحيدة هي الدنّ المعفّر بالعمّال والقيظ. والعاطفة التي لا تنفكّ تقرّر نيابة عنّي منذ ولدت سخيفة وبلهاء للغاية. ندمت رغم  كلّ الأشياء التي  قضيت عمري مسكونا بها، ندمت.

    أنا في الأخير كأهلي وجيراني؛ لستَ تتوقّع ما الذي يمكن أن نسطو عليه أو نرتكبه أو نبيعه لنثبت براءة آخرين لمجرّد أنّهم آخرون، ثمّ بعد ذلك نستفيق فنكتشف أنّنا مجرّد نعاج مريضة..

     مررت بغوّار ابتعدنا.. قبل أن نصل إلى تلّة «هيجات»،اشترينا الشّراب. كانت فكرة غوّار، قال بأنّه يدعوني إلى الاحتفال بالمولود الجديد.

    وانقَضتْ ساعة كنّا فيها نشرب ونتحدّث عن الشّراب. بدا لي حالنا كشيوخ حيّنا عندما يتحلّقون حول النّار للحديث عن الماء.

      فوق تلةّ «هيجات» المنسيّة حيث نجلس، كانت هناك كرمة يتيمة. يُروى أنّ تحت التلّة جرّة ألماس.. نحن هنا نولد فيقصّون علينا حكايتها. فشل الشّيخ الهادي في استعطاف الجِنّي حارس الكنز. خذل عفريت الكرمةِ الشّيخَ الهادي أكثر من مرّة أمام رُتَبٍ كبيرة في الدّولة..

    قالها علنا وبمرارة:

    «- عفريت «هيجات» الكلب.. لقد قدّمت له أفضل بخور في العالم ولم يفتح.. الكلب! إنّه يخجلني أمام الشّخصيّات..»

       في لحظة صارحت غوّار بكلّ شيء.. لم يقل شيئا. لم يبدُ عليه أنّه فوجىء.. فغوّار الذي عرفته يقدّر أن يكون للبؤس ألوانا غير الجوع والحفاء. لكنّه بكى وغنّى بصوت خافت.

    ثمّ ضحك وقال:

    الشّيخ الهادي غبيّ؛ لو قدّم للعفريت الشّراب لفتح له جميع المخازن..

      

       عارض الشّيوخ بناء القنطرة وقالوا إنّ النّائب سيغضب.. تجاهلهم غوّار وهدّدهم بالقتل وشيّدها..

     بعدها التحق غوّار بالعمل في حظيرة بناء ضخمة بالمدينة. كنت ألتقي به كلّما مررت من هناك.

    كنّا نشرب الشّاي في استراحة العمّال، ثمّ أمضي. منذ أصبح الجسرُ جاهزا صار غوّار يحتضنني في كلّ لقاء، وكلّما هممت بالانصراف قرأت في عينيه شعورا بالوحدة ولحظة يستقِرُّ غضب ثائر دلّ على مكانه صديق طفولة.

    - أضف السُكَّرَ لو أردت.. الشاي المرّ لا يلائم وضعك الجديد.

    - غوّار أنت متعب..

    - دعك منّي.. هناك أمر يحيّرني ولا أجد له حلاّ..

    اسمع.. بالله عليك؛ نذل كالشّيخ النوِّي؛ لو أتيح له أن يبيع البلاد مقابل نسبة، هل كان سيتردّد؟

    - طبعا لا.

    فقال:

    - إذًا لِمَ لا يشنق بتهمة الخيانة العظمى؟ كلّنا نشهد ضدّه.. أنا و أنت على الأقل..

    ضحك عاليا، وأضاف وهو ينفث دخان سيجارته بعيدا عن وجهي:

    - ها أنذا على سبيل المثال، على استعداد لأعترف بكلّ الجُنحِ التي لم أتورّط فيها بعد، لسبب بسيط، هو أنّ الفرصة لم تُتُحْ لي لأقترفها لا غير..

    بعد أسبوعين سقط غوّار من الطّابق الرّابع للبناية التي يعمل فيها ومات.

    أقدّر بدوري أنّ عليه أن يفهم قبلي كلّ شيء.

    توقّفت السيّارة التي تقلّه أمام خندق الطّين الشّامت وعادت أدراجها، وعبرنا به القنطرة مترجّلين نحو الحيّ لدفنه هناك. في المقبرة وقف الشّيخ النوّي على قبره طويلا يدعو له بالمغفرة بنبرة من يطلب المستحيل.. ثمّ بعدها انتهى غوّار رفيقي.

     

       بعد أيّام من الدّفن، زارتنا البشرة النّاعمة البيضاء والشّحم والذّقون المطّاطيّة الخضراء. قدّموا أغطية وأكياس دقيق مقابل صور تذكاريّة للعجّز أمام الصّناديق وعلى وجوههم ملامح الرّضا والبهجة مستسلمين تماما كما لا يجب أن يتقاعس الحمام الأبيض في الطّيران فورا وصوب الأعلى كي يُوَثّق بعض الطّلبة الحالمين نداءً للسّلام أمام عيون العالم.. حاول الشّيخ النوّي استدراجي بودّ للحديث عن الانتخابات:

    - اطّلعت طبعا على القائمة؟ سألني وعلى وجهه تكشيرة ضبع ميّت.

    - اطّلعت عليها ولكنّي لن أصوّت لأحد.. لأنّ الوحيد الذي يصلح نائبا علينا لم يترشّح للانتخابات.

    - من تقصد ؟

    قلتُ :

    - عفريت «هيجات»!

    ***

     

    محمد فطومي

    تونس